عند عم ” مش عارفة اسمه ايه” العجلاتي

قد مضى وقت طويل منذ ركبت عجلتي نظرا للحر وضيق الوقت الذي يمكن ان اركبها فيه بعد عودتي من العمل يومياَ.  كان يغطيها التراب وبمجرد ركوبي عليها وجدت ان العجلة الامامية مفسية فاضطررت ان اركبها حتى آخر شارع تسعة بعد محطة  المعادي وهي تفط وتنط كالمصاب بالزغطة. حتى وصلت لمكان العجلاتي.

في مدخل عمارة على بعد خطوتين من الرصيف وتحت مظلة شجرة عملاقة تظلل المدخل وتخفي هذا العالم الصغير تقع الورشة الصغيرة. وهي كما هو المتوقع من اي ورشة عجلاتي متناهية في الكركبة والقذارة. جلس امام المدخل، خارج الورشة المكدسة بالعجل والكاوتش  عم “” مش عارفة اسمه ايه ”  مستندا على ركبه ووجهه ذو التقاطيع النوبية منكب على عجلة الاطفال الصفراء المقلوبة  امامه يصلحها.

جلست انا على  جنب امام مدخل الورشة على كرسي خشبي قصير الارجل يجعل ركبي عالية عند الجلوس عليه حيث لمحت بطرف عيني عدد من شتلات الزرع موضوعة على افريز العمارة العالي الموازي وعليه وضع كيس زبالة اسود صغير لا تخطئه العين – من الاخر كنت جالسه ملاصقة للزبالة -وانفكت انظر اليه هو ومساعده الذي انكب يصلح وينفخ عجلتي.

Continue reading

Advertisements

عن تلك الغرف الزجاجية ذات الابواب المحكمة

منذ فترة وتراودني افكار غير مترابطة صًعُب علي ترتيبها او تركيبها او استخلاص منها تجربة حياتية تستحق المشاركة

الا ان ثقل هذه الافكار وترددها الغير متوقف على عقلي المنهك لا يدعني سوى ان اكتبها بطريقة او باخرى

انها عن تلك الغرف الزجاجية

تلك  التي تفصلنا عن الاخرين وتلك الطبقات التي يحيط بها عقلنا حقائقنا فيغشى بها اذهاننا  فنعيش سجناء اوهام وصور عن عالمنا الذي لا نعيشه بالرغم من انزراعنا به

للعلم ال “نا” في الخطاب هنا لا تعبر الا عن الياء – الا ان بعض الشعور بالرهبة من المواجهة والخجل من تعرية النفس يمنعنا\ي من الكتابة بها.

 نمشي على ارض لاتلمسها ارجلنا – جذورنا مجزوزة لاتمتد في اي ارض

هناك يحيط بنا من كل صوب تلك النفوس الهشة التي ترنو الى الكمال او الاكتمال

اكتمال الصورة الشخصية امام الاخرين وقبل كل شيء امام النفس

صور – نعيش داخل صور ونرنو الى صور ونبتعد عن صور

“مثقف – غني- ذكي – متفوق – مبدع – مسالم- جدع – قوي- حذق- مهني وغيره “

مجرد خصال لصور نرسمها لانفسنا ونعيش نهذب ونكمل رتوشها ونلوي ونطوع انفيسنا لكي نبقى ما نتخيل انه هو هو.

ارهاق – انغلاق – انحباس – حدود

حدود وهم المكان والزمان

حدود وهم الوطن والدين والتربية والاخلاق

حدود عقلية وانكار وتمثيل وتطويع الروح لكي تنكمش وتنحصر في الغرف الزجاجية

بعد آخر … ما بعد الانطباعات الاولى

نموذج للحياة … انظر صفحة  ….

يدهشني دائما ثقة زميلاتي الهولانديات، ثقة بالنفس غريبة على فتايات لم يتعدين الثلاثة وعشرين من عمرهن، لم ينهين بعد دراستهن الجامعية وخبراتهم العملية في الحياة لا تتعدي التدريبات في الصيف وغيرها من الخبرات الخفيفة.

كل شيءلديهن محسوب، اجابات معروفة مسبقا ومسجلة في دفاتر مواعيد في قاع الحقيبة، اصواتهن واضحة وجهورية والاراء تطلق بدون حاجز، بطلاقة لا تعرف الرهبة وصراحة قد تصل الى الوقاحة

وهناك نماذج لكل شيء، نموذج للتفكير نموذج للكتابة، نماذج مختلفة الاشكال والاحجام تناسب كل مواقف الحياة العملية والغير عملية احياناً

طبعا بالنسبة لي ، انا القادمة من بلاد لا تعرف الانظمة، من حياة لا نموذج لها، هذه التصرفات لا تخضع للمنطق الذي اعرفه، فتنتابني حيرة قد تصل الى الغضب احياناً و اتسآل هل امضيت السنوات الفائتة من عمري احارب لاعثر على اجابات او حلول كانت يوجد في الصفحة الاخيرة من كتاب في فصل الملحقات؟ هل نمضي حياتنا في هذا الجزء من العالم للبحث عن اجابات ، تسلم للاخرين لم يبداؤا الحياة بعد؟

الا ان في خضم الايام والساعات المحسوبة قد تجد نظرة حائرة على الوجوه اذا الواقع خالف النموذج! وهناشعور خفيف بالاطمئنان يعتريني اذا لم تذهب السنوات الفائتة

 آخر المرحلة … بداية!

يوم ستلقيت في سريري احاول النوم للتغلب على احساسي بالياس والحزن، يوم حزين مر على مصر وعلي، تسعة عشر من نوفمبر الفائت حيث قتل المتظاهرون في اتحرير وفقعت اعينهم، وانكر العسكر قتلهم واحلت الشرطة دمائم

وجدتني يومها ابكي من الاحباط محاولة العثور على تذكرة طيران لمصر لاجدها اغلى مما توقعت فبكيت محاولة مقاومة الشعور بالعبثة الذي اعتراني ، انا هنا لدراسة شيء قد لا يفبد لا جدوى منه لمهنة قد ارغب ف تغييرها في بلد ابسط الحريات بها غير مكفولة لشخص مثلي لايريد النضال بل العيش في حاله في سلام

الان اشك في الدراسة واشك في قدراتي واشك في جدواها واشك في عزيمتي

ليلتها استلقيت يخالطني يأس محاولة النوم للتغلب على يأس فقدان الهدف

واستيقظت بشعور آخر، انا هنا في هذه البلد لدراسة هذا المجال وهو ابلغ واعلى ما طمحت به، لمدة ثمان سنوات وانا احاول في شتى الطرق، مجال وراء مجال، هنا وهناك، امتهن اكثر من عمل في نفس الوقت، تقل نقودي او تزيد، احاول اخطط لاصل الى شيء ما …

واقصى اآمالي كانت ان اختبر الحياة لسنة لحدي ادرس،

ولكن في هذا الصباح انتابني شعور واحد: الارتياح

حققت كل خططتي ، اعلى طموحي والان لن اخطط، لن استميت ، لن ارهق اعصابي بهل وكيف

ساكتفي بالعيش فقط! بالحياة كما تحل وتذهب، هل تخلصت من القلق المزمن؟ هل ضرب الايمان جذوره في قلبي؟ ماذا حدث؟

المرحلة انتهت … والقادم بداية

هولاندا الانطباعات الاولى – الثلاثاء 21 سبتمبر 2011

جلست هناك خارج الصندوق – المكان الذي اعيش فيه، وهو يقع في حرم جامعة اوتريخت على اطراف المدينة ، والصناديق هي عبارة عن وحدات سكنية للطلبة، في الاصل كانت حاويات تم تركيبها فوق بعضها البعض لتحل مشكلة سكن الطلاب في مدينة تقع بها جامعة كبيرة كاوتريخ ويقصدها العديد من الطلبة من هولاندا وخارجها

اتطلع امامي في المراعى الخضراء حيث ترعى الخرافK اشم رائحة العشب الاخضر المنعش الذي تم جزه حديثا، اسمع من بعيد صوت البط  وارى الارانب البرية تجري وتقفز حول جداول المياه المنتشرة في الشارع، تقع جنباً الى جنب الطرق الاسفلتية الحديثة ومباني الحرم المعاصرة ذات المعمار الحديث

هو مشهد غريب،  يبدو غير منطقي لي انا فتاة المدينة حيث الحدود قاطعة وواضحة بين ما هو ريفي وما هو حضري فالمزج بينهما لا يحدث سوى على ما يبدو في هولاندا  حيث يمكنك التطلع الى هذا المشهد الريفي في مدينة حضارية كبيرة كاوتريخت، الامر يتضح لي حين اعرف ان الجامعة بها كليات عملية حيث يقوموا بتربية الخراف للتجارب العملية وغيرها من اهداف الدراسة

 حياة الطلبة

“سوف اكون شخص سعيد لمجرد استطاعتي التحدث بهذه الطريقة” اشار جاري البولاندي ساخراً وهو يشير الى احد الجيران الاسبان وهو يتحدث بجوارنا بحرارة ككل من يعيشون في المتوسط او هكذا اعتقد ، فلقد اقامنا حفلة الاسبوع الماضي خارج “الصناديق” لكي يتعرف الوافدون الجدد  على بعضهم البعض وعلى جيرانهم فجميع سكان الصناديق هم طلبة جدد

عادة لا يوجد صخب كثير بالصناديق فالحياة هادئة خلال الاسبوع الا في نهايته وبالتحديد في هذا المساء،حيث يحتفل طلبة شباب لا يتعدى عمر الواحد منهم الواحد والعشرون او على حد اقصى خمسة وعشرون وفى حالات استثنائية مثلي الثلاثون!

هنا الحياة حتى للطلبة مستقرة فمن الطبيعي ان تجد احدهم لا يتعدى عمره 24 سنة ومستقر في حياته ، مرتبط في علاقة عاطفية منذ سبع سنوات، يعمل وعنده منزل ، يعيش مع رفيقه اورفيقته حيث قاما يالتخطيط معا للحصول على المنزل او الشقة، قاما بدهانه واعداده للعيش سويا به

وعندما تدخل الشقة او البيت تجد متعلاقات خاصة ومكتبة ضخمة مليئة بالاسطوانات والكتب والصور الشخصية للرفيقين في رحلات داخل البلاد وخارجها وتسال نفسك متى وجدا الوقت في عمرهما الصغير حتى يكون لديهما حياة متكاملة ونحن في مصر قد يصل عمرنا الى الثلاثين والاربعين دون ان تكون لدينا حياة خاصة كاملة

المدينة

بالرغم من النظام الصارم، اجدني اصنف المدينة على انها فوضوية بعض الشيء مقارنة لمدن اوروبية اخرى قد زرتها من قبل

قد لا تكون فوضوية بالشكل “المصري” او على الاخص “القاهري” بل بشكل لطيف متساهل، سمح للناس بالعيش والتاثير في المدينة، فقد تجد قمامة وبقايا الاوراق في الاركان، قد تجد الناس لا يحترمون بالضرورة اشارات المرور  خاصة راكبي الدراجات الذي يخصص لهم مساحة كبيرة في المرور وتخطيط الطرق في هولاندا

هناك حياة، زحمة، بعض الفوضوية، شيء محبب يشعرك بان المدينة مكان مأهول بالبشر التي تترك بصماتها على الطرقات، على البنايات والحجر.

القطار

لا يسعني سوى الابتسام حين ولوجي بالقطار متى سافرت بين المدن في هولاندا، اتذكر محادثة جرت بيني وبين مديري السابق الهولاندي قبل سفري، حين قال لي ان الهولانديين ليسوا معاديين للغرباء كما يعتقد البعض ولكنهم يحرصون على الحفاظ على مساحاتهم الشخصية ففي القطار او الاتوبس تجد معظم الناس يجلسون ويضعون حقائبهم الشخصية على المقعد المجاور لهم والغريب انك قد تجد الاتوبيس مزدحم والناس واقفة ولكنها لاتسال من يجلسون ان يزيحوا اغراضهم لكي يجلسوا! واذا حاولت انت ان تقوم بذلك تشعر بحرج ينبع من التعبير المقاوم المهذب الذي يرتسم على وجوه الجالسون ولكنهم لا يجدون مفر من ازاحة اغراضهم في النهاية لكي يجلس الواقفون

ولكنني لم اتوقف عند ذلك لكي احكم على الهولنديين كاشخاص معاديين للغرباء وهو حكم مسبق وسطحي، بالعكس، انطباعي الاولي عنهم انهم اناس لطيفة،  فانت متى ابتسمت لاحد المارين يبادلك الابتسام بل والكلام ايضا (وهو امر لم اجده في اسبانيا مثلا فالاشخاص الوحيدين التي تمكننا من التحدث اليهم انا وصديقتي حين كنا نمضي اجازة في اسبانيا، كانوا من اميريكا اللاتينية وليسوا اسبان ) فمن السهل دائما البدء في تبادل اطراف الحديث مع احدهم في الشارع او المواصلات العامة – عامة هم اشخاص متزنة ودودة وتبادر في المساعدة حين يطلب منها ذلك ولكن يجب ان اعترف ان هذا حكم ايضا مسبق في نفس درجة سطحية وتسرع الحكم الاخر

فمثلا انا اسمع كثيرا هنا عن المشاكل التي يواجهها المهاجرون في هولاندا ومثل هذه المواضيع التي يتجنب اهل البلد التحدث فيها

النظام

حتى الان اي بعد ما يقرب من شهر من وصولي لاوترخيت لم اقم بزيارة المدينة بعد،  اي لم ازور  بعد مزاراتها السياحية او اعرف اركانها وهو شيء غريب علي، فهي ليست اول مرة اسافر فيها خارج مصر وليست اول مرة ازور بلدة واطوف بها ، احيانا يكفيني بضعة ساعات فقط لكي اتمكن من معرفة المدينة جيدا! او معالمها على الاقل

الا انني لم استطع ذلك في اوتريخت حتى الان بعد مرور شهر من استقراري بها

هناك شيء داخلي يمنعني من ان اعيش دور السائحة فانا هنا للعيش لمدة سنة، هناك حاجز خفي او نفسي داخلي يفصل بين البلدة كمزار سياحي والبلدة كمكان للتواجد والعيش

فانا لم اخذ وقت للتعود على الحياة هنا، ان انصهر في النظام، استيقظ للذهاب كل يوم الى المدرسة التي تقع في وسط المدينة، اركب الاتوبيس، اتعرف على جميع انظمة الانتقال واستخدام القطار للسفر عبر المدن الهولاندية الصغيرة واتعامل كقاطن وساكن للمدينة وليس كسائح غريب

فحياتي منذ قدمت استنفذت في التفاصيل الصغيرة  التي تستهلك الوقت والطاقة في مدينة كبيرة  لكي تعيش او تتعايش النظام لتكون جزء منه وتتعامل به. فيصبح حياتك و اكبر همك! فالاتوبيس يطبق به نظامان : نظام قديم ، اوتريخت هي من البلدات القليلة في هولاندا التي مازالت تستخدم هذا النظام، يقوم على ختم بطاقة ورقية تختلف وفقا للمسافة وهذا الختم يتضمن ساعة الركوب حيث يمكنك لمدة ساعة بعد ختم البطاقة في استخدامها بلا مقابل وهو كما قلت نظام قديم يستخدم فقط في اتريخت اي ان هذه البطاقة لايمكن استخدامها خارح المدينة

وهناك نظام حديث يطبق في المواصلات العامة في جميع مدن هولاندا وهو يقوم على استخدام بطاقة اليكترونية يتم شحنها بالنقود عن طريق البطاقة البنكية الالكترونية وهي يمكن استخدامها في الاتوبيس العام وفي القطار تحصل بها على خصم 40% الا ان هذه البطاقة يتم اعطاءها للطلبة الهولانديين بلا مقابل وانا كطالبة غريبة ليس لي هذا الامتياز، والبطاقة البنك الالكترونية يتم الحصول عليها بعد فتح حساب بنكي هولاندي وهو ما ياخذ اجراءات ووقت طويل

لذلك فانا مازلت استخدم البطاقة الورقية التي تتوفر في شكل بطاقة زرقاء للمواطن العادي تتضمن 15 خانة واخرى برتقالي للطلبة بسعر مخفض – بعد ختمها في الذهاب والاياب (وهي مسافة تاخذ من خانتين الى ثلاثة خانات من البطاقة) اي دائما يتبقى معي بطاقات غير منتهية بها خانة لم تختم ولكني لا يمكنني استخدامها الا اذا اشتريت اخرى جديدة وهكذا دواليك ..

وهكذا ، انظمة تقوم على انظمة اخرى مركبة ، تفاصيل كثيرة يجب اخذها في الحسبان في كل امور الحياة لنظام كبير يبتلع معظم وقت الناس ولكن يوفر حياة منظمة وفعالة للجميع

ولكن ماذا اذ لو لم تكن تنتمي “للجميع”؟ انا كمواطنة شريفة اندمجت سريعا في النظام او يمكن اسرع مما ينبغي في نظام حياة اي مواطن شريف في هذه البلد مما انساني او استهلك وقتي لكي انظر الى المدينة بعين جديدة وغريبة، فالمناظر والبيوت الجميلة القديمة بدات تاخذ سريعا شكل مالوف لدي ، كانني ولدت وعشت بالمدينة منذ ولدت

هل اعمى النظام عيوني ام قتل في الفضول؟

لحظة اتزان

النص المشارك في معرض رباعية الحياةالذي اقيم في مركز الجيزويت بالاسكندرية، من 14 الى 22 ابريل 2011
وقد تم عرضه جزء منه كعرض ضوئي اثناء المعرض

البعد عن كل من وما يسبب الحيرة والازدواج أيعدُ هذا شيءٌ من الجبن؟
عدم الاستعداد  لمواجهة ولوم ومسائلة النفس كل يوم بخصوص أشخاص قد لا يعنون شيئا بالنسبة لى سوى الاحساس بالانتصار للمباديء  عند مواجهتهم!
انحسار ، ابتعاد داخلي، تمركز حول الذات
مساحة كبيرة تفصل البؤرة عن الزجاج الخارجي
ينعكس عالم صاخب إلى داخل صمت القبر الزجاجي الشفاف
شيء من الموت المستعجل
هكذا كنت – وهكذا أبقى  على حدود المكان، على حدود الزمان.
أراقب العالم ينقل صرخاتي الصامتة عبر أثير كثيف يكشف، حين يكشف، عن ابتسامة حزينة.

هل أنا أسرع من الزمان فلا يلحقني أم أنا أبطأ منه فلا ألحق بي،
هل تسبقني أحداثه أم أسبقها؟
أعيش اليوم أم الغد: حيث سيخفت الهتاف ويرجع المهمومون بيوتهم، ويبقى من كان في طريقه يمض، يمضي؟
و لا يعتريني سوى الإحساس بغضب اليأس وقلة الحيلة.

هتاف ضعيف هزيل متردد ينطلق في الهواء غريباً
يُشحن بطاقة الجموع
يسقط في جوف حلقي بقطرات من الانتماء والسكون
لحظة
وانقضت
وعلى ذكراها استمر في الإيمان
بأن هذا الوجود والتواجد كان حقيقياً
برغم انفضاض الجموع.

كيف يمكن الإحساس بهذه المشاعر الساخطة السلبية في ظل أجواء التغيير التي تحيط بنا في الآونة الأخيرة؟
كيف يمكن الشعور بالغربة في الوقت الذي يضرب الإحساس بالانتماء جذوره في قلب الجميع
كيف لي أن أشعر بالملل!
أحداث تمر من فوقي ومن تحتي
يتملكني غضب من عدم تمكني لمجاراتها وعدم رغبتي في مجاراتها
ما هو المنتظر ؟
أن يعلو الهتاف مرة اخرى في وقت انخفض فيه الصوت ولم يتبق سوى صداه؟
هل آن أوان رقصة الثورة ورفع رايات النصر؟

 إذاً

ارقص معي رقصة الحزن ولنحتفل معا بالغربة!


بلاط مدينة الصلصال

تم نشر هذا النص كجزء من مقال بكتاب امكنة، عدد 2008

لم يكن حال مدينة بلاط كمدينة القصر بواحة الداخلة، فهي لم يهجرها سكانها تماماً مازال يمكنك أن تعثر على بعض آثار الحياة عند التجول في مدينة الصلصال، بين الطرقات المظللة حيث تلعب أشعة الشمس

 

by Rania Abu Eid

 

دور الرسام ألهاو على جنبات الممرات الطينية التي تفصل بين بيوت المدينة حيث جميع زوايا الطرق مستديرة والدرجات التي تفضي من مستوى إلى الأخر محدبة الأطراف تكاد ترى بصمات من قام بتشكيلها وتسويتها، على جانبي الطريق، وقفت بعض النساء في مداخل بيوتهن، ينظرن إلى المارين، يغطين وجهوهن بطرحهن يخفين بها ابتساماتهن ونظرات التساؤل في عينيهن.

وقفت هي كعروسة شمعية بوجهها المستدير المشدود وعينيها الصافيتين التي يحيط بهما من كل جانب خطين من التجاعيد وهما الدليل الوحيد على تقدمها في السن. تلبس أشارب ارجواني بنقوش حمراء يحيط بشعرها الفضي الذي يكشف عن سنها الذي يناهز الخمسين دون البوح به، بملابسها الزاهية وقفت كريمة أمام عتبة بيتها تنقل نظرها بيننا نحن الثلاثة بحيرة وتردد ولولا الأدب وأصول الضيافة لكانت اختفت بلمح البصر من أمامنا ” لا لا أتفضلي بس البيت منترك، بس أتفضلوا” قالت بتردد وهي تنظر إلى مرشدنا من أهل المدينة الذي يصطحبنا في الجولة، تستمد منه الأمان فهو الوجه الوحيد المألوف لديها، سبقتنا إلى الداخل وتبعتها ارفع قدمي عاليا لتخطي العتب المرتفعة لأولج إلى المنزل كأني أولج إلى بطن الأرض فالباب ما هو إلا فتحة مستديرة كبيرة ترتفع عن الأرض وينخفض سقفها فتضطر لخفض رأسك ماراَ إلى عالم آخر تشعر فيه كالجنين في رحم أمه ، تتهدج أنفاسك وتبدأ ضربات قلبك البطيئة ترن في أذنيك ويحيط بك الظلمة والهدوء والصمت. كان الباب يفضي إلى مدخل يفضي بدوره إلى بيت الجيران : يشترك البيتين في مدخل واحد مسقوف ومظلم تظنه كأنه بيت واحد ولكن لتكتشف بعد برهة الباب الجانبي الخشبي الصغيرة الذي يفتح على منزل آخر. البيوت هنا تشبه متاهة من الغرفة المفضية بعضها إلى بعض طينية ملساء مظلمة وحميمية.

بعض الدقائق تمر حتى تعتاد على الظلمة ، تهدأ أنفاسك وتبدأ بالنظر إلى الغرفة وأثاثها البسيط الذي يتلخص في حصيرة وفراش وكلوب سبيرتو كبير مركون على الحائط، في الحائط يمكنك أن ترى مغروز في الطين سلك الكهرباء، الدليل الوحيد على “المدنية”، عند طرف الغرفة يوجد على الأرض كومة رمال وقصعة بها مياه مما يفسر خشونة يديها الغير طبيعية المغطاة بطبقة من الطين الجاف فهي كانت تعيد بناء بيت أبيها بعد أن توفى لكي تنتقل إليه لتعيش به بعد أن انهار بيت زوجها.
شأنها كشأن نساء وعائلات كثيرة في بلاط عاشت كريمة حياتها كله في البلد لم تغادرها ، بعد أن نالت قدر من التعليم (معظم النساء في هذه المنطقة حصلن على قدر يذكر من التعليم حتى إن لم يتعدى المرحلة الابتدائية ) عملت بالمستشفى لتربي أطفالها فهي ترملت عند بلوغها التاسعة عشر فقط من عمرها فوجدت نفسها مسئولة عن طفلين ، عندها انتقلت مرة ثانية لتعيش في بيت أبيها ورفضت الزواج مرة أخرى . لا تنتقل من البلدة سوى لشهور قصيرة تقضيها في القاهرة لزيارة أولادها الذين استقروا وتزوجوا هناك “ابني متعلم وبعدين جالو شغل في القاهرة أنا قالي يا ماما لو عوزتي اقعد معاكي، خفت يقولي بعد كده منعتيني جالي قرش ومانعتيني، فجلتله يابني البلد اللي تعزك تبقى خير موطن” أكدت كريمة وهي تفسر لماذا انتقل ابنها من البلدة القديمة فمجرد كونه “متعلم” تفسر من وجهة نظرها الكثير فمن من الجيل الجديد “المتعلم” يرضى العيش في البيوت الطينية الرطبة حيث مازالت الحياة خشنة وغير مريحة. فالحياة بهذه البيوت لم تتغير عما كانت عليه إلا فيما يتعلق بالغلاء الذي طال كل شيء فتحكي كريمة أيام كانت بلاط تنبض فيها بالحياة ” عشان شغل البيت كنا نجيب رمله كده على دماغنا وطينة نجيبها زمان من الغرود دلوقتي بنشتريها، نقوم نعجنها مع الطيبة بس زمان ما كنتش الطين ده ده طين اخضر وبالجريد وبعدين كنا نغطيه بالطينة البيضة(…)كنا نخبز كل أسبوع أو 3 أيام دلوقتي الدنيا أتغيرت بقت فيه تلاجات ، زمان كانت الغلة رخيصة وماكنش حد يبيع كانت الجيران تدي بعضيها ده عندي ادي للتاني وده عنده يدي للتاني الزمن ده آن ماشترنيهوش ما نشفهوش ، كمان زمان ما كنش فيه في البلد تعليم كتير دلوقتي فيه تعليم والناس طلعوا في المسلح فمبقوش يشوفوا أهلهم، ماحدش دلوقتي هاين على حد، دلوقتي كمان المهر غلي أنا كان مهري 20 جنيه أصل الواحد مش قيمته فلوس إنما في قيمته ودينه”
بعد أن استضافتنا في بيتها تحكي عما كان ، اصطحبتنا كريمة حتى آخر الطريق المفضي إلى بيتها مارين من الظل إلى أول الطريق النازل الذي تتخلله بعض أشعة الشمس، عند نهاية الطريق توقفت وسألتها
– ممكن أصورك
– لآ لآ ماحبش لآ بلاش
– طب أتصور معاكي طيب ؟
– لآ، تفاجأت بلهجتها الحاسمة
– ديه مش أجنبية (تدخل حُمدة شارحاَ لها) فسارعت بقول – لأ أنا مصرية ومسلمة وموحدة كمان …
– لا ماني عرفة إنها مش أجنبية ، لا عندنا مانخلي الأجانب يصورونا أصل العيا كتر لا مؤاخذة، أصل ماكنش عندنا أمراض يعني زمان، يعني زمان ماكنش أجانب بيجوا ولا حاجة. جم وجه المرض.
لم افهم ما هي علاقة الصورة بالأجانب وما علاقتهما بانتشار المرض، إلا إنني اكتفيت بالاستماع والاندهاش بل بالانبهار بالموقف الذي لم استطع تحليله، فآثرت السكوت دون الاسترسال في الأسئلة خاتمة الحديث مستمعة إليها وهي تودعنا بالدعوات
– “أنت آنسة ولا مدام” سألتني على استحياء
-ـ آنسة
– طب روحي ربنا يحنن عليك بولاد الحلال

ابتسمت وأكملت طريقي مع حمدة ومرشد البلد مكملين جولتنا في أرجاء البلدة خافضين رؤوسنا في بعض الأحيان، صاعدين بعض الطرقات أو نازلين بعض الدرجات أحيانا أخرى، مارين بين زوايا الطرقات،

 

By Rania Abu Eid

 

عند المناطق التي تكشفها الشمس بقصعات زُرعت بالنعناع وريحان وزهور الكركديه القانية. عند أعلى القرية اختلف البنيان، تبدلت البيوت الحمراء الطينية القصيرة والملتصقة يبعضها البعض ببيوت عالية بعض الشيء بيضاء اللون ، هنا يقع بيوت عُمد القرية والذين ينحدرون جميعهم من عائلة البرنس وهي أول عائلة ، كما يزعم أهالي القرية، قدمت إلى هذا المكان أقامت واستوطنت واستقرت ” هي عيلة شبعانة عندها ابيار وأراضي وطبعا اكبر عيلة هي اللي تمسك البلد” شرح لي مرشدنا. وقف هناك محمود البرنسه يرحب بنا بقفطانه الازرق الزهري ولاسته الخضراء، بوجهه التي تشقه من قمة رأسه حتى عمق خديه أخاديد عميقة لوحتها الشمس، ينظر إلينا بعينيه اللتين بهتا بفعل الزمن، تظهر بين فكيه أثناء حديثه أسنانه المبرودة مصدرة صوت صفير خفيف عند حديثه. جلست أمامنا زوجته بوجهها المشدود المسحوب الأسمر تستند على حائط بيتها تجلس القرفصاء تنقل عينيها العسليتين الجميلتين بيننا وبين زوجها وهو يحدثنا “اسيب البلد ليه ، هنا مافيش أي إشكالات، أنا هنا بأصلح ما بين المتخانقين ماعنديش حد في بلاط يروح الجسم، الا لو جريمة جتل بس ده ماحصلش عندينا لأ ولا حتى سرقات، إنما شوية نزاعات بتبقى على ارض مايه بتاع كده ، يعني بهيمة سابت على زرع التاني، يدفعله تعويض والتاني ممكن يسامحه يبوس على دماغه حجك عليا وكده حق عرب يعني” على عكس أهالي القصر الذي انتقل أغلبية سكانها، الكبير والصغير وحتى عمدة البلد، إلى الأراضي المحيطة بها، بنوا بيوت من الأسمنت، فبلدة بلاط لم يتركها سوى الأجيال الحديثة، فهنا مازال يقطن محمود البرنس، عمدة بلاط، وزوجته حتى وان تفرق أولاده السبع مابين الأراضي المنبسطة المحيطة بالبلدة أو بالخارجة والقاهرة وموط للعمل. عندما طال الوقوف والصمت بدأ يخيم علينا، قالت لنا زوجته (والتي لا يناهز جمالها سوى اللوحات الزيتية التي رسمت بدقة) “أتفضلوا نجيب شاي” هنا أدركت أن الحديث قد طال وآن الأوان للذهاب فلقد بدأنا نثقل عليهما فشكرناهم واستدرنا، وقف هو يودعنا بابتسامة عريضة ونظرة لم تفقد بعد فضولها

مين مايعرفش عمارة رشدي؟

تم نشر هذا المقال بمجلة امكنة، العدد الثامن  وكان يدور عن الخيال وكيف يتفاعل الناس مع الأسطورة الشعبية ويتعايشوا معها

رشدي ابو قير لو سمحت”… “عارف العمارة المسكونة اللي هناك، ادام بنزينة التعاون؟! انا حانزل هناك”

، دون ان يطر ف له جفن او حتى تغطي عينيه نظرة التسائل والأندهاش التي توقعتها، هز سائق التاكسي رأسه واجابني ” ماشي، ماشي” نظرت حولي في التاكسي، الى السيدة التي ركبت بجانبي او الى الشاب الذي جلس بجوار السائق، لم تتغير وجوههم او حتى لم يطالني منهم اي نظرة استنكار او استغراب، كما لوكان شيء طبيعي وغير مستنكر ان تكون هناك بالفعل ” عمارة مسكونة” حيث العفاريت او الجن او كائن ما يكن قد اتخذ له مسكنا. والغريب اننا لسنا في قرية بعيدة مهجورة ولسنا بصدد بيت يقع في اعلى مدق ترابي فوق تل بعيد تحوم حوله الخفافيش وتضيئه اشعة القمر الزرقاء (او هكذا اتخيل ما يمكن ان يدور في عقل القاريء الذي لايقطن الأسكندرية ولا يعرف احيائها وهي صورة طالما تناقلتها افلام الرعب القديمة ) ، اود ان أؤكد اننا في وسط المدينة، في احد الأحياء الراقية المأهولة بالسكان، على شارع عمومي وهو شارع ابو قير و هو من اهم اكبر ثلاث شوارع رئيسية في الأسكندرية. هنا وسط زخم وصخب المدينة استقرت تلك الأسطورة في عقول الناس ومهما كانت خلفيتهم الأجتماعية او الثقافية أو الدينية فهي راسخة في عقولهم ، يتعاملون معها بطبيعية كجزء من حياتهم ـ رضوا بهاوتقبلوها وتعايشوا معها دون ان يتوقفوا عندها او يحاولون ان يتشككوا في اصلها. ” مين مايعرفش عمارة رشدي المسكونة؟ ” صحيح من لا يعرفها؟ فعلى احدى المنتديات على شبكة الأنترنت تجد الشباب يتداولون هذه القصة، حتى صديقي الأسباني الذي يعيش في الأسكندرية منذ ثلاث سنوات يعرف هذه العمارة فقد كتب لي في أحدى الأيام

“Hi Heba It’s funny, but it happens that I heard about this story and I know even where the building is. If I’m not mistaken, it is in Roushdy, in a corner of Aboukir street. Someone told me that people where living there and they became to feel that there were some phantoms or spirits living there, so they decided to leave the place (…)

“ هاي هبة من الغريب انني قد سمعت بهذه القصة ، وحتى انا اعرف اين تقع هذه العمارة، اذا لم اخطيء هي تقع في رشدي، في ركن من شارع ابوقير. هناك من حكى لي ان هناك بعض الاشخاص الذين كانوا يعيشون هناك شعروا ان في المكان اشباح وارواح تعيش فيه لذلك قرروا ان يتركوه..”

وهي القصة او الأسطورة التي انتشرت بين الناس ، فانا اتذكر حتى الأن اول مرة سمعت فيها بهذه القصة، كنت في المرحلة الأعدادية ، حكت لنا احدى صديقاتي عن العروسين اللذين وجدا اثاثهما ملقي من الشبابيك في صباح زواجهما ، وعن الحنافيات التي تسكب دما بدلا من الماء .. لم يسعني في هذا الوقت سوى الأستماع والتصديق وتجنب سؤال صديقتي اين بالضبط تقع هذه العمارة فأنا كما يقولون ” قلبي خفيف” وطالما احترمت حدود خوفي ولم احاول ان أعرضني لمثل هذه التجارب المقلقة والتي لن تسبب سوى المزيد من الأرق لاختي التي تشاركني الغرفة والتي ستضطر مرة أخرى الى النوم وضوء الغرفة مضاء ***توقف التاكسي امام العمارة بالضبط واشار السائق ” اهه، هي ديه العمارة” ترجلت ووقفت انظر اليها من بعيد، كيف يمكن لمكان ان يبدو مكفهر وكئيب هكذا، فالعمارة تبدو سوداء مكفهرة تطايرت معظم شبابيكها مكعبة الشكل دون اي لمسة جمال او زخارف تزينها ، قصيرة بالنسبة للعمائر العالية التي تحيط بها من اليمين، تقف كشخص غير محبوب او غير مرغوب في وجوده او هكذا بدت لي ام هي لمحة شاعرية صوّرها لي خيالي، وبدات افهم هذا الشعور المبهم بالخوف والقلق الذي قد يعتري الناظر اليها فاتذكر جميع ما تداوله الناس عن هذه العمارة من أقاويل وحكايات تبدأ دائما ب” سمعت، بيقولوا…” وغيرها من كلمات غير مثبتة او دقيقة تتناقلها الألسان ولكن بعد ان تضيف اليها شيء من الرؤية الذاتية والخيال الشخصي …فبالنسبة لامنية، البالغة من العمر 32 عاما تلك العمارة دائما “قبضت قلبها” ، ” فيها حاجة غريبة العمارة ديه، عمر الشمس ما بتنورها، اصل لما الشمس بتبقى طالعة بتنور وتدخل المكان الا العمارة ديه- الشمس مابتنورش جواها – شأنها شأن اي شخص ترك لمخيلته العنان ولكنه لايستطيع التاكد مما شعربه او انتابه فهو حقيقة بالنسبة اليه ولكن خلفيته العلمية والثقافية واحيانا الأجتماعية والدينية تأبى عليه تصديق ذلك فتضيف أمنية بصوت متردد- … او ممكن الواحد موهوم ، مش عارفة”، وتجربة أمنية، مع هذه العمارة تبدأ منذ ايام دراستها في تجارة انجليزي ” مرة كان عندي course أيام الجامعة وكنت حأركن جنبًّها ، اتلبشت خفت أركن جانبها فضلت الف على ركنة حتى أتأخرت على الدرس”. اما بالنسبة لرشا البالغة من العمر 32 عاما، وهي جارتنا التي اعتبرها كأخت لي فهي لاتجرء الأقتراب من هذه العمارة وهو شيء لا استغربه عليها فلطالما انزلتنا جميعا مهرولين على السلالم من جراء صراخها المتواصل حين رأت قطة صغيرة سوداء في بير السلم او عندما تحكم علينا ان تقف لاضاءة نور السلم اذا اطفأ حتى تبلغ شقتها في الدور الثالث، جلست رشا في هذا اليوم بصالة منزلنا وهي تحتسي الشاي تحكي ” انا بترعب منها، اصلها سودة قوي، من كتر الحرايق اللي كانت فيها، ايام ما كان فيها سكان ” ثم استطردت ” هما بيقولوا كده … انا عمري ماشفت فيها سكان” جالسا في مكتبه الأنيق في احدى الشركات متعددة الجنسيات، بين رنة تليفون واخرى، جلس ياسر،39 عاما، ينفث دخان سيجارته وينقر من حين ولاخر على ازرار الكمبيوتر المحمول الخاص به “آه عمارة رشدي .. طبعا عرفها ، أنا ليا تجارب شخصية مع العمارة ديه، انا كنت ساكن في رشدي وكان ليّا صحاب عايشين هناك، كنت ممكن ألاقي في يوم شيش للعمارة واليوم التاني مالاقيش ولا شيش ” ويحكي ياسر عن احد المغامرين الذين ارداوا ان يكسروا هذه الأسطورة ” كان فيه واحد ضابط شرطة قال ان ديه خرافات وقرر يعيش فيها بس شاف بلاوي …” غير ان ياسر لم يوضح ما كنه هذه البلاوي… ” ياستي لاعفاريت ولاحاجة، تكلم عم عطية بنزق وتأفف، انا بجالي بشتغل هنا عشر سنين ،اجولك الحجيجة انا جيت سمعت اللي بيتجال، طلعت فوج لجيتها نضيفة طلعت بالنهار ماشفتش حاجة طلعت بالليل برضه ماشفتش حاجة” وقف عم عطية السايس قصير القامة مشدود العود ينظم حركة العربات الداخلة والخارحة من جراج العمارة الواقع مدخله في الشارع الجانبي للعمارة والذي يفضي لطريق الترام من ناحية وشارع ابوقير من ناحية أخرى ومن حين لاخر يكشف سر من اسرار العمارة الغامضة بعبارات مقتضبة تشوبها السخرية احيانا “عفش بيطير وشبابيك بتختفي؟!!.. العمارة هي لسه ماتشطبتش مافيهاش بلاط ولا شيش ومفيش ولا حد سكنها جبل كده” من اول الشارع ، تتقدمان المرأتان تتهاديان وهما تضحكان، في جلاليبهما الملونة وطرحاتهما التي تغطيان الرأس والصدر بدتا كفلاحتين يتباين وجودهما مع هذه المنطقة الراقية والعربات الحديثة الفخمة المركونة بالشارع المستظل بالأشجار الوافرة، توقفتا قبال عم عطية ” ونبي ياعم عايزين شقة بالعمارة عندكم” ، اجاب بوجهه المكفهر يشوبه الملل “طب ياستي لسا مافتحناش لما نفتح نبجا نجولكم..” ، انه المشهد الذي على ما يبدو يتكرر بشكل او بآخر كل يوم كأنه نكتة متعارف عليها بين سُياس وبوابين الحي ولا يسع عم عطية البالغ من العمر 51 عاما وهو الواقف ليباشر عمله سوى التأفف من كثرة الفضوليين الذين طالما عطلوه عن عمله وضايقوه هو واسرته الساكنة بالركن المنزوي داخل الجراج فكل يوم يحمل لعم عطية المزيد من المضاياقات اما من وسائل الأعلام كالصحفيين المبتدئين الذين يبحثون عن سبق صحفي يعينهم في بداية مشوارهم المهني او من قبل اشخاص عادية ينتابها الفضول ” ممكن انا اجعد مع الواحد ساعه او اتنين اتحدت معاه واجول له ان العمارة مافيهاش حاجة وبعد كده يجولي انتَ كداب، طب انا مرة حطيت خرطوم ميه في قفا لواء، كنت باشتغل ولقيته دخل ورايا، اعد يجولي ” انت قولي قصة حياة العمارة ديه” طب يعني انا حأسيب شغلي واجعد احكيله جصة حياتها، قلت له عندك صاحب العمارة أسأله، يجولي ” لا انت تعرف انت قاعد فيها طول النهار” فآخر المتمة حطيت الخرطوم في قفاه والدنيا كانت تلج” يضيف عم عطية وشبح ابتسامة خبيثة ترتسم على وجهه. ولكن اكثر من يعاني من مثل هذه المضايقات هي زوجته واولاده ” ” يعني لما بيبقوا بنات يعني بنضيفهم انما لما يبقوا جدعان كده بيبقوا غلسين اقوي” تشتكي ام عطية وهي جالسة القرفصاء على الكرسي الخشبي الصغير تقشر البطاطس وتقطعها، من المحاولات السخيفة للفضوليين الذين لايحترمون احيانا حرمة البيت الصغير وحياء النساء القاطنات به. ما يثير الدهشة كيف تواجد هذا البيت الكامل المكون من غرفتين او ثلاث في هذا الركن الصغير المنزوي من الجراج والذي لاتحميه عن الأعين الفضولية سوى ستارة خفيفه. خلفها تقع غرفة الجلوس المجهزة بجهاز تلفيزيون وكنبة مرتبة ونظيفة والمطبخ وغرفة صغيرة خلفية. بين صخب حفيدها الصغير وهو يخبط بعصاه المعدنية على الارض ومحاولات زوجة ابنها لردعه، جلست ام عطية التي مازالت تتمتع بحلاوة الشباب وهي تحكي “للحج مافيش حاجة من ديه خالص، العمارة مافيهاش حاجة” الا ان ذلك لم يكن رأي ام عطية منذ البداية فمنذ قبول زوجها بالعمل في هذا المكان كانت ترفض رفضا قاطعا ان تنتقل للعيش اوتخطو رجلها هذه العمارة ، حيث بقت في دمنهور، مسقط رأسهما، العام الاول كله مما اضطر عم عطية ان ينزل اجازات للبلد ليراها ويترك ابنه الصغير في العمارة ليباشر العمل بدلا منه ” لما لجيت العيل الصغير ابني جاعد فيها وما فيش حاجة وكان بيجولي ياماما مافيش عفاريت ولاحاجة هنا بس رضيت انزل واعيش فيها” الا ان….. ” الحجيجة هي مرة واحدة بس شفت جنيّة- تستطرد ام عطية¬ – كنت بولع البوتاجاز ورميت عود كبريت في البلاعة فطلعت ليا هي وولادها تجولي “احنا ماآذيناكيش ليه تأذينا، هي كانت قزمة كده ماتجيش في طول الواد محمود (حفيدها) وولادها صغيرين كده حوليها، كانت شبه الأقزام اللى بيوجوا في التلفيزيون للأطفال، آه سبه الكرتون كده، جريت انا اتغطا ومعملتش حاجة- ثم اكملت وهي تضحك على استحياء- لما حاكيت لآبو عطية ضحك عليا “، ” لو كنت بصدج الحكايات دي ماكنتش حاعرف اعيش ، انا كنت في بلادنا بنام في المقابر، وكنت بأعيش في الجبل وأشوف تخيلات ولا بأحط في دماغي” اكد ابو عاطية وهو يساعد السيارة في الخروج من الجراج. فبعد ان باع اخوته ارضهم في دمنهور لم يبقى له “لقمة عيش” هناك انتقل للعيش والعمل في الأسكندرية وبعد التنقل بين عدة اماكن استقر به الحال للعمل عند صاحب هذه العمارة، وهو بالرغم من الأجر الزهيد يعيش راضي ومستقر في هذا المكان” **”الحكاية ان صاحب العمارة ديه، راجل غني عنده مادة مش محتاج، عنده زي العمارة ديه يجي خمس عمارات تانية، لما بناها كان عايز يعملها فندق ولكن المحافظة رفضوا يدوله تصريح لانها تقع على شارع عمومي ، منعا من التجمهر” هكذا يسرد الحقيقة عامل الكوافير الذي يعمل في المحل الوحيد الذي يقع في العمارة ، فهو يعمل في المنطقة منذ اكثر من خمسة واربعين عاما ولم يجد على العمارة ما يسوئها او يؤكد الأشاعات التي اطلقت عليها، وهو ما يؤكده كذلك ابو عاطية “ماهي الأسئلة اللى بدور في دماغك برده بدور في دماغي، بس هو كده ” من حكم في ماله، ماظلم، لما رفضوا يدوله التصريح سابها كده. هو مش متجوز ومالوش ورثة غير ولاد اخواته وحتى سدّ المدخل علشان لما لجى الناس بتحاول تدخلها تشوف فيه ايه”- ويستكمل ابو عطية ” هي ديه الحجيجة بس احنا ناس مابنحبش الحجيجة” بالطبع ان هذا التفسير البسيط لايمكن ان يرضي او يشبع فضول الكثير من الناس، ومن هنا بدأت الأشاعات وهي محاولة من العقل الأنساني لايجاد اجابة للسؤال الذي يساوره : لماذا؟ لماذا يترك هذا الرجل ، عمارة بهذا الأتساع مكونة من ستة اطباق، في هذا الموقع المتميز، مهملة هكذا دون ان يحاول ان يشطبها او يسّكنها او حتى ان يهدها ويبيعها ويكسب من ورائها الكثير… ولاتخرج التفسيرات التي تداولها الناس عن اربع مقولات، فهناك من يؤكد ان الكثير من العمال قد توفوا اثناء بناء العمارة ودفنوا تحت انقاضها، ” انا سمعت ان كان فيه واحد مغربي عايز يشتري شقة فيها… لأ لأ… كان عايز يشتري العمارة كلها وحصل خلاف مع صاحب العمارة– وانتي عرفة ازاي الناس المغاربة دول بيفهموا في السحر والحاجات ديه- فعزّم له عليها، حط مصاحف حوليها وعمل له عمل” هكذا تؤكد امنية ما سمعته في صغرها من اقاويل ، اما ياسر فله رؤية مختلفة وان تشابهت مع قصة امنية ” الراجل صاحب العمارة كان مشارك واحد سوداني ونصب عليه -وانتي عارفة ازاي الناس السودانيين دول بيعرفوا في السحر- فعمله عمل” اما المقولة الرابعة ان العمارة قد بنيت على انقاض مسجد ، وما تتعرض له العمارة ما هو الا انتقاما من الله لهدّ هذا المسجد. في محاولاتهم لتفسير اللغز ، حاول سكان المدينة ان يستمدوا من موروثاتهم الدينية والعقائدية ما يفسرون به هذا اللغز وهي في كل الأحتمالات تفسيرات مبينة على فكرة الاثم المرتكب والعقاب. ففي فكرنا وموروثاتنا يجب ان يكون هناك اثم قد وقع وعقاب مستحق، وهي فكرة يتقبلها العقل البشري بسهولة بل يلجأ اليها في كثير من الاحيان ليسد بها الكثير من الفراغات والابهامات التي تتواجد في محيطه وبيئته وحتى في حياته اليومية، وهي فراغات لم يتعود الانسان قاطن المدينة على وجودها نظرا لما تحتويه حياته من زخم فهي فكرة يطمئن لها الأنسان ويألفها ، فالعمارة وصاحبها لابد ان يكونا قد ارتكبا اثم ما ليستحقا ما وقع عليهما من هجر والا لماذا…. بدء النهار يمر سريعا واقترب وقت المغرب ، لذلك كان لابد ان اترك المكان قبل هبوط الظلام فعامة لم يكن المساء من الأوقات المفضلة لدي وخاصة في هذا اليوم الممطر بعد هبوب احدى نوات الاسكندرية الشهيرة، كما لم ارد ان اثقل على ام عطية واتركها لتكمل اعدادها للطعام ، فحاولت ان اترك المكان متجنبة المرور بالجانب الأخر من الجراج فلقد حكت لي ام عطية انها عندما تمر بهذا الركن الأيسر “روحها بتنسحب” الا انها عادت واكدت ان العمارة “ما فيهاش حاجة !!!”