وجوه من الدخلة : كريمة محمود عبد الله – من بلاط

(وقفت هي كعروسة شمعية بوجهها المستدير المشدود وعينيها الصافيتين التي يحيط بهما من كل جانب خطين من التجاعيد وهما الدليل الوحيد على تقدمها في السن. تلبس أشارب ارجواني بنقوش حمراء يحيط بشعرها الفضي الذي يكشف عن سنها الذي يناهز الخمسين دون البوح به، بملابسها الزاهية وقفت كريمة أمام عتبة بيتها تنقل نظرها بيننا نحن الثلاثة بحيرة وتردد ولولا الأدب وأصول الضيافة لكانت اختفت بلمح البصر من أمامنا ” لا لا أتفضلي بس البيت منترك، بس أتفضلوا”

وصف لبيتها : يشترك بيتها وبيت الجيران بمدخل واحد مسقوف ومظلم تظنه كأنه بيت واحد ولكن تكتشف الباب الجانبي الخشبي الصغيرة الذي يفتح على منزل آخر كانها متاهه من الغرفة الطينية المفضية بعضها الى بعض طينية ملساء مظلمة وحميمية والبيت ينفذ على بيت، البيت خالي من الأثاث سوى بعض الأشياء المتناثرة، قصعة كبيرة بها طينة كانت تعيد ترميم بيتها بها وفي ركن بيت كلوب سبرتو كبير

“انا اعدى هنا الا لما يجيلي اوقات كده اروح قاهرة اقعد مع ابني شهر او شهرين اصل انا ما طلعتش من بلاط وربيت ولادي يتامين، اشتغلت في المستشفى عشان اربيهم يعني والحمد لله الولد والبت اتجوزت وبت جوزي اتجوزت” سنى كان 21 كان مكن اتجوز، انا عندي 52 سنة ـ ابويا كان ارزقي : حلاق حداد يسرح بفاكهة كان هو وعمي عبد الرحمن قاعدين في بورسعيد، كان شاطر ابوي والناس تحبه و كان قاريء قرآن. احنا 6 بنات 3 صبيان غير اللي ماتوا احنا 13 اترملت وانا عندي 19 سنة وعشت مع ابوي جالي ناس بس ابويا مرديس وانا ماردتش عشان العيال حرام عليا انا يهون عليا عيالي بره وانا جوه او احط صنيه وعيالي البيبان قصيرة انت ماشفتيش الببان القصيرة “زمان كان فيه خير ” شغل البيت كنا نجيب رملة كده على دماغنا وطينة نجيبنها زمان من الغرود دلوقتي بنشتريها، نقوم نعجنها مع الطيبة بس زمان ما كنتش الطين ده ده طين اخضر وبالجريد ونغطيه بالطينة البيضة كنا نخبز كل اسبوع او 3 ايام دلوقتي الدنيا اتغيرت بقت فيه تلاجات ، زمان كانت الغلة رخيصة وماكنش حد يبيع كانت الجيرات تدي بعضيها ده عندي ادي للتاني وده عنده يدي للتاني الزمن ده ان ماشترنيهوش ما نشفهوش كمان زمان ما كنش فيه في البلد تعليم كتير دلوقتي فيه تعليم والناس طلعوا في المسلح فمبقوش يشوفوا اهله، ماحدش هاين على حد دلوقتي المهر غلي انا كان مهري 20 جنيه اصل الواحد قيمته مش فلوس قيمته ودينه الحياة كانت فقيرة اوضة زي ديه يقعد فيها 5 \6 رجالة كانت حياة بسيطة كانت اكل وشرب كده ومخدة وحصيرة طب ابنك مايقعدش معاكي : ابني متعلم وبعدين جالو شغل في القاهرة انا قالي يا ماما لو عزتي اقعد معاكي خفت يقولي منعتيني جالي قرش ومانعتيني يابني البلد اللي تعزك تبقى خير موطن الجدعان في الغيطان والشغل لاعندي مجاري ولا حمام افرنجي يادوب ربيتهم (قصدها اولادها)

كنا نطبخ بالياجود (الخشب) الفرن الفخار احلى خبيز احسن من فرن الصفيح الحمد لله على الصحة والعافية والدين والايمان لكل انسان غرض يحقق امله بس الله يحقق ، انزل ياريت (اي تسكن خارج مدينة بلاط) بس ما سيبش بيته حد يسيب بيته، بس هنا الأكل يعيش البصل والثوم يعيش والجو حلو في الصيف

“اصورك؟”(طلبت منها) لآ لآ ماحبش لآ بلاش

– طب اتصور معاكي طيب ؟

– لآ ديه مش اجنبية (حاول حمدة المرشد المصاحب لي اقناعها)

– انا مسلمة وموحدة (قلت لها في محاولة لاقناعها اخيرة)

– – لا ماني عرفة انها مش اجنبية ، لا عندنا حتى مانخلي الأجانب يصورونا اصل العيا كتر لامؤاخذة ماكنش عندنا امراض يعني زمان، يعني زمان ماكنش اجانب بيجوا ولا حاجة جم وجاه المرض، عادي ديه عربية ما هو أصل البني ده عربي الرسول عربي

حمدة : الأجانب يتفرجوا علينا

وودعتني بالدعوات “انت آنسة ولا مدام” – لا أنسة – طب روحي ربنا يحنن عليكي بولاد الحلال !

Advertisements

…كالمرور من بوابات خفية لمكان منعزل

By Heba El Cheikh

By Heba El Cheikh

تم نشر هذا المقال بكتاب امكنة، عدد 2008

لم أكن أتوقع ما رأيته حين زرت مدينة القصر القديمة بواحة الدخلة لأول مرة، لم يدفعني للذهاب إليها سوى بعض اللقطات التي استحوذت على تفكيري عندما شاهدت فيلم أبو علي ، أو ما خلفته في نفسي من اثر أسطورة “النخل الذي فقد ظله” في فيلم عرق البلح لرضوان الكاشف، والذي توقعت أن يكون خيال السينما قد بالغ في كثيرا مما سرده.
بعد الانعطاف من عند المؤذنة القديمة (والتي ظننتها في أول الأمر برج حمام طيني) وضريح الشيخ نصر الدين بقبته الهرمية لم يسعني سوى حبس أنفاسي عند التجول بين جنبات البلدة القديمة التي ترجع إلى العصر الأيوبي، فآخر ما كنت انتظره هي تلك البيوت اللبنية بارتفاعاتها التي قد تصل إلى خمسة ادوار وأبوابها المهيبة التي تعلوها النقوش والأقواس المزينة بالطوب الأحمر والأبيض ، أو تلك الممرات المسقوفة التي تعلوها شرفات بها طاقات حيث كان حراس البلد يختبئون ويتربصون بالغزاة قديماً، أو تلك الأبواب الخشبية العريضة التي نقش على أعتابها الخشبية التي تعلوها تاريخ البناء الهجري والميلادي واسم المعلم البناء واسم صاحب البيت بنسبه الذي يصل إلى رابع جد دون إغفال ذكر “انه فلان بن فلان بن فلان الواحي ألقصري القريشي”! (فمعظم العائلات التي سكنت القصر عائلات من أصول ترجع للجزيرة العربية منها عائلات من الأشراف يرجع أصولهم إلى الحسين بن على والقرشية والدينارية.)
كلما ابتعدنا عن أطراف المدينة حيث المنازل مازالت بيضاء اللون وقد خُط على جدرانها تاريخ حج صاحب البيت ووقوفه على عرفات هو وحرمه وابنه بالتاريخ الميلادي والهجري في مربع كبير مزين بالأشكال الهندسية الزرقاء والحمراء، كلما تركنا خلفنا أصوات العالم الخارجي وتوغلنا إلى قلب البلد القديم، كالمرور من بوابات خفية لمكان منعزل لا يسمع فيه سوى الأنفاس المتهدجة و الهواء البارد الملطف وصوت المرشد الذي عينته هيئة الآثار لاصطحاب السائحين. عند نزولي بعض الدرجات ومروري بالأبواب التي تفصل بيت كل عائلة عن الأخرى والتي كانت تقفل ليلاً لحماية البلدة أو عندما خفضت رأسي أكثر من مرة للعبور من تحت سقف حارة إلى حارة عند انعطافاتها الحادة والتي بنيت كذلك لمنع خيالة الجيش السنوسي قديماً من مهاجمة المنازل، لم يسعني سوى التساؤل كيف كانت الحياة هنا بين جنبات القصر، كيف كان صخب الحياة في ظل الحارات ؟ كيف كانت حميمية المعيشة بين أفراد الأسرة الواحدة ، بين أبناء الحي الواحد بل بين البلدة ككل؟ متى هُجرت البلد وفي ظل أي ظروف؟
“لا أبدا الناس يعني سابت البلد مش من بعيد ” أجاب المرشد على سؤالي بعدم اكتراث “ايوه يعني من امتى؟” كررت سؤالي متوقعة الإجابة أن تكون منذ قرن أو اثنين ولكن لدهشتي أجاب “يعني تيجي لها 15 أو 20 سنة بس ودخلت البيوت الآثار يعني من خمس سنين بس”!!
كيف يهجر أهل البلد هذا الجمال والهدوء والسكينة ولماذا؟ كيف تركوا هذه البيوت الحميمة ونزلوا بالأراضي المجاورة المنبسطة يبنون بيوت من الأسمنت يعيشون فيها ؟

**” يعني كانت قدامي فرصة اسيبها ؟!!” تساءل بنزق وانفعال محمد أيوب، الناظر في التربية والتعليم وهو يبلغ من العمر 58 سنة. جلس يستقبلنا وسط أسرته، زوجته حربية وابنه الكبير وأحفاده التي تتعالى أصواتهم من الغرفة الداخلية. عند دخولي إلى المنزل استرعى انتباهي الكتابة التي خطت فوق جداره الخارجي بالخط الأزرق العريض “منزل الحج محمد مصطفى أيوب وحرمه” عند ولوجي إلى المنزل المكون من طابق واحد ألقيت نظرة وراء ظهري فلمحت الكمبيوتر الذي يتوسط الغرفة الخلفية وراء الستارة الشفافة التي تفصل بين الغرفتين ولم يسعني إغفال ملاحظة التلفزيون والجهاز استقبال الدش الذي وضع في ركن الصالة حيث دارت القنوات الفضائية طوال زيارتي له.
اعتدل في جلسته وبصوته الجهوري الذي بدأ يفقد حدته اخذ يشرح لي “إحنا كنا حوالي 52 واحد في البيت القديم ، كل شوية يبنوا اوضة لغاية مابقاش فيه مكان في داخل القرية، الحيز ضيق، زمان القصر كانت محصورة في مساحة ماتتعداش كيلو “، أنا دلوقتي عندي 5 عيال (لكل واحد عيلين) ودلوقتى عايز ابني لكل واحد شقة ، حنعمل إيه حانعيش مع بعض؟؟ وبيعدين البيت كان قديم كان حيقع ، الناس غرقت في الشتوايا اللي فاتت، يعني انا لو طاوعت والدي وقعدت في البيت كنت حاعرف أبني هنا دلوقتي مثلا؟ لأ، كان غصب عني انا لقيت فرصة قدامي فاتهزتها ” ، الاهتمام بالواحات بدأ في عصر عبد الناصر فبدأت الحكومة تبنى مباني تابعة للتعمير العمراني “الشقة ديه كانت لسه أول تعمير الصحاري وزعوها على الناس، وده كان نصيبي منها، لغاية دلوقتي إيجارها 20 جنيه، ومافيش تمليك، يخلص ثمنها وتبقى ملكك، تمنها على بعضه حوالي 12/13 ألف جنيه.”
لم يكن حال محمد وعائلته كحال العديد من سكان القصر الذين تركوا البلد، فهو لم يسافر الكويت أو الخليج بوجه عام كحال من سافروا في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، والذين لم يستطيعوا عند عودتهم السكن مجدداً في البيوت القديمة الطينية ففضلوا الاستقلال عن الأسرة والنزوح إلى الوادي يبنون بيوت من الأسمنت فحدثت طفرة في مستوى معيشتهم وفي حياتهم “اللي عمل الطفرة ديه التعليم بس، زيادة المدارس بس كمان استقلال الشباب اللي عاز ياخد مكان ويعيش لوحده. بس ده يعني تكون الحكومة تدخلت وطردت الناس من البيوت القديمة وكده يعني؟ لأ ده كان حاجة طبيعي الناس ابتدت تطلع بره اللى راح الكويت واللي راح العراق والناس ابتدت تجيب فلوس ، تطور مستمر: اللي راح القاهرة ، اللي راح الجيش والكليات وشافوا المدنية.” ويتذكر محمود وقت نزوحه من المنزل القديم “وقت ما مشيت جدي كان عايش وزعل وقعد خمسة ستة شهور مايكلمنيش ولايجي ولكن بعد كده اقتنع لما رحت اقوله أنا حامشي زعل ماكلمناش “قاله تعلى نقي أحسن حتة في البيت خدها ، الأوض اللي أنت عايزها اقعد فيها وماتطلعش أنت والعيال وبقية العيلة كانت زعلانة إننا نسيب البيت وأنا كنت بافكر بمنطق العقل وهم بالعاطفة ، اهلي برضه طلعوا بعديه اللي طلع البحرية واللي طلع الكويت، بعد كده تقبل الموضوع بقى يقول “اللي عايز يطلع يطلع” لما شاف الدنيا بتطور”

“أصل الناس ماحفظوش النعمة ولفظوها وفرحوا إنهم نزلوا في الخلا لكن أيام البيوت القديمة ماحدش اشتكى بمرض أو بوجع راس أو بلا مؤاخذة بمغص ولا سكر، السكر ده ماكناش نعرفه إلا انه السكر بتاع الشاي (…)”
لم يكن الحاج محمود أبو بكر مجرد شيخ عجوز يناهز الثمانين أو كما قال لي بالتحديد “أنا من مواليد 26\6\”1928، يحكي عن الأيام الخوالي ويسترجع ذكريات الزمن الجميل بل كان رجل عاش حياته في هذه البلدة، خبر جميع تطوراتها، يحتفظ بذاكرته بأدق التفاصيل عنها، كما انه من عائلة أبو بكر من اكبر عائلات القصر يتمتع بمكانة كبيرة لدى جميع الأهالي الصغير والكبير منهم، مكانة توارثها جميع أفراد عائلته مروراً بوالده الذي كان من أعيان البلد تقلد منصف شيخ الغفر يرتل ويقرأ القرآن كما أكد لي حمده، صديقي ألقصري ومرشدي.
جلس الحج محمود في مقعده بقامته الضئيلة التي ضمرت بفعل الزمن ووجه الصغير الذي اخفت معظمه نظارته الطبية واللاسة البيضاء التي أحاطت برأسه ، شتان بين حاله الآن وبين الصورتين المعلقتين على الحائط إحداهما يلبس فيها عقال كويتي وفي الأخرى يلبس عقال سعودي، يبدو فيهما بعنفوان شبابه وفتوته بشاربه المفتول المدبب الأطراف وقامته المنصوبة، اخذ ينظر إلينا بعينيه الصغيرتين ويحكي لنا بصوته الرفيع ونحن مأخوذين بالكلمات التي تتدفق من بين شفتيه ” أصل الطوب الني دي له حكاية مع الإنسان لان الإنسان مخلوق من إيه؟(رددنا في وقت واحد : من طين !) آه وخلقنا الإنسان من سلالة من طين طبعا كل شيء يحن لأصله ومادام البني آدم معمول من طين يحن للطين اللي بتتعمل منه البيوت لذلك تلاقيه حنين في كل حاجة في الشتى والبرد تلاقيه يديلك دفء وفي الصيف والحر يديلك براد” ثم يستطرد “أصل القصر ده مبنية على أساس علمي وعلى أساس تكييف مركزي لما تدخلي في وسط البلد وتمشي فيها حتلاقي أماكن مسقوفة وأماكن زي المنور ديه وأنت جيه من الغيط وأنت جيه من الخلا ديه تلاقي درجة الحرارة يمكن توصل لحد أربعين لما تدخلي وتمشي في وسط البلد تلاقي براد وهوا بارد مكرر، لأني ابني البيت بناعي هنا وأنت تبني البيت بتاعك هنا ونسيب حته فراغ ما بينهم ونعلي الحيطة القبلية والهوا يجي من بحري، الهوا يجي يخبط في الحيطة ديه ويقوم نازل ايه في الشارع على بال ماتوصلي للبيت وأنت جايه من الغيط من الصحرا والحر تحسي بالبراد”
يسترجع الحج محمود حياة القصر القديمة حين كان والده مازال على قيد الحياة حين كانت البلدة مازالت عامرة بالسكان ” كنا سبع أخوال والوالد الله يرحمه كان زى السيف يبص للواحد يترعب، كويس وحليم وحنين ماكنش يحب الحرام قبل مانخرج يدينا درس ، كان عنده المضَيفة أي واحد يشوفه في الشارع غريب لازم يجيبه البيت، المضَيفة جنب البيت الضيف ياخد يوم، يومين تلاتة يأكل ويشرب. لغاية ما يخد حاجته من البلد ويمشي. لان القصر ديه كانت أصل الصناعة الحدادين البناين من القصر جميع المهن كانت من القصر ، كان يوم الجمعة الناس تأتي من العزب ديه للقصر اللى عايز يصلح الفاس بتاعه، عنده ببان/طاحون /ساقية عايز يعملها …الخ كانت الناس تيجي يصًلوا الجمعة ويقضوا مصالح ، والدي الله يرحمه كان يقعد بره الجامع ينتظر الناس الغريبة اللي مالهمش بيوت هنا وجه ميعاد الغذاء فكان يبعتنا نجيبهم على المضيفة يصلوا ويتغدوا وتمام تمام ويروحوا ماشيين.”
بالرغم مما يحكيه عن الحياة داخل القصر القديمة وجمالها إلا أن الحج محمود يباهي بأنه “أول من نزل تحت”. بدأت حياته المهنية من قبل الثورة حين كان يعمل طباخ عند خواجة سوري يملك الأملاك والأطيان، بعد الثورة والتأميم فقد الخواجة أملاكه ثم جاء انفصال الوحدة عن سوريا لتقضي تماما على مستقبل محمود الذي كان في ذلك الحين يتنقل مع صاحب العمل من مكان إلى آخر ومن بلد إلى أخرى فمن القاهرة للبنان لسوريا حتى اضطرته هذه الظروف للعودة إلى القصر وهناك تقدم لشغل منصب طباخ في هيئة تعمير الصحاري حيث كانت تضم استراحة يقيم بها 46 مهندس (كانت هذه الاستراحة مبنية للملك فاروق) بعد فترة اختبار عصيبة قررت لجنة اختباره تعيينه ولكنه في نفس اليوم تلقى جواب به عقد عمل في الكويت.
“خدت 22 سنة اشتغل في هيئة التربية والتعليم في الكويت من 63 ل 87 أنا كنت سبب إن ناس كتير تيجي تشتغل في الكويت كان فيه شقة فيها فوق ال17 نفر ماكنش حد يقدر ياكل بلحة او تفاحة من غير التاني، أنا كنت لما اعمل حفلة في آخر الحفلة يديلي خروف خروفين، فواكه بالقفص والموز بالقفص أجي أحطهم في العربية بتاعتي وأروح والله العظيم تكون الساعة 3 الفجر نايمين اللي في الشقة اخبط اصحي الكل اللي ياكل تفاح واللي ياكل لحمة واللي ياكل رز يتعمل الشاي بعدين نلبس ونروح على الشغل، فلان عيان في المستشفى ندور نلف على كل الناس نلم، فين دلوقتي الحاجات ديه دلوقتي الأخ ما يشوف اخوه”
اقتصرت علاقة الحج محمود بالبلدة القديمة على الزيارات القليلة التي كان يقوم بها كل سنتين حتى عاد بصورة نهائية عام 87 ، هنا كانت العديد من الأسر ومنها أسرته قد تركت منازلها القديمة فلم يجد بد من البناء تحت والنزول حتى وان بقى أخيه الكبير وكبير العائلة في ذلك الحين فوق حتى توفي بالتالي كما هو الحال مع البيوت التي يتركها أهلها تتم ضمها إلى هيئة الآثار “أصل الناس ماسبتش بيوتها مرة واحدة ديه تالت مرة ديه من البيت القديم في قلب البلد اتطور شوية وبنى على طرف البلد ومن هنا طلع بره يبني مسلح (…)”و ذلك لان البيت الذي يصنف من الآثار من الصعب إجراء به أي تغيرات أساسية كإدخال الماء والكهرباء والبنية التحتية مما يضطر الأهالي إلى النزوح من البيت وخاصة مع تكاثر أفراد العائلة ومنع بناء غرف جديدة على الأثر. فعائلة الحج محمود تملك وحدها منزلين احدهما في قلب البلد والثاني عند إطرافها “إحنا ماسيبناش البيت القديم لان فيه المايه والنور ولما حد بيحب بناجره”
** وقفنا فوق سطح بيت الحج محمود القديم، عند أطراف المدينة بالقرب من ضريح الشيخ نصر الدين الولي، نتأمل المدينة بأكملها بأسطحها المكشوفة الطينية غير المنتظمة ، فجأة لاح أما أعيننا منظر غريب وشاذ في هذه القرية المهجورة : حبل غسيل نشر عليه غسيل ملون احمر وابيض. عدوت على سلالم البيت المتهالكة ، وحُمدة الذي يصاحبني في أثري، مارة بالحواري الضيقة ابحث عن الدليل الوحيد على وجود بشر في هذه الأنحاء لأرى من مازال يسكن في “الخرايب” (أو هكذا أصبح يطلق على المدينة القديمة) عند دخول المنزل تنحى حُمدة جانباً وانتظر بالخارج احتراماً لحرمة البيت الذي لا يوجد به سوى زمزم، وهي تعد هي وأسرتها الصغيرة من آخر الأسر التي مازالت تسكن القصر، أدخلتنا إلى المنزل الذي تناثر به فرشها البسيط : ألوان البيت،الكراكيب المتناثرة هنا وهناك، الكليم القديم، الغسالة اليدوية والبوتاجاز الذي يمكن رؤيتهم من وراء الستارة الخفيفة التي تفصل بين الغرفتين الأمامية والخلفية، هي التي تضفي حياة على البيت الطيني الصغير. بيتها الذي يشبه البيوت الأخرى من الخارج يختلف كثيراً من الداخل فالحيطان مدهونة ابيض وازرق ألوان اختلطت مع لون الطين الرمادي، على الحائط رسمت بعض أشكال الزينة والمثلثات الملونة وكتبت بعض الأحاديث والآيات القرآنية وهي من صنع زمزم التي تعتني بالمنزل، تزينه وتعيد بناء ما تساقط أو تشقق منه.
من السهل على من تركوا المدينة وأكرمتهم الحياة بعيشة رغدة كالحج محمد والحج محمود أن يتذكروا الحياة القديمة بشيء من الحنين والاشتياق إلا إن زمزم وأسرتها لم يحالفهم نفس الحظ، فزمزم وهي تبلغ من العمر48 سنة ، بالرغم من شكلها النضر الذي يعطي انطباع بصغر سنها على الأقل عشرة أعوام عن عمرها الحقيقي، تعيش وحدها مع زوجها المدرس وولديها، بعد أن هجرت أسرة زوجها البيت القديم “هما بنوا وسكنوا اللي يبني يسيب مكانه ويمشي، البيت ده كان فيه سلفيتي وحماتي كله مشي، أنا هنا لوحدي، لوفيه إمكانيات كنت اسبيه النهاردة قبل بكرة أصل مافيش حد هنا مافيش غيري أنا وبس – بس كل شيء نصيب”
إمام تعبيراتنا واستغرابنا لهذا الكلام استطردت “أصل المساكن نفسها مش عجباني، الواحد إيه عايز يجدد ، يتطور،عايز يقعد في حاجة متجهزة يعني الدنيا بتطور، عندي كهرباء ونور بس شغل البيت هنا صعب تنضيفها، هنا فيه كرير (شقوق ) وحفر في الأرض، طبعاً الشقق اللي تحت مافيهاش كده، لو فيه شقوق في الأرض لازم أسدها”
تقوم زمزم على الأقل ثلاث أو أربع مرات في السنة بصيانة البيت وسد الشقوق بالطين، وهو ما يتكرر خاصة في أيام الشتاء حيث يذوب الطين وتعلو المياه فلا تستطيع بالمنزل الذي قد يصل ارتفاع طبقة الطين به حتى الركبتين، فتضطر للنزول والإقامة عن أحدا من أهلها في البيوت الجديدة حتى يجف الطين وتعود ” آه هنا الجو حلو الواحد بيقبى نفسيته مرتاحة يعني أنا ما بحسدهمش بس زي ماتقولي كل واحد وبيقى ليه أمنية”
ومع ذلك لم يفت الوقت بعد على زمزم لتحقيق أمنيتها “هو اللي ربنا بيسهله ويطلع يبني بره مابيخدش حاجة بدل بيته القديم(الذي يصنف من الأثار) يعني هما بيقولوا اللي بيكونوا عايزين يطلعوه بيعرضوا عيه شقق، هما عرضوا علينا وإحنا وافقنا هما اخدوا اسامينا ولسه حيبنوا”
بعد أن اصطحبتني في جولة في بيتها والحديقة الصغيرة التي تقوم بزراعتها في الباحة الخلفية للبيت، تركت زمزم للحاق بأصدقائي وحُمدة الذين كانوا بصحبتي إلا إنني فجأة وجدت نفسي وحيدة بين أزقة القصر انظر يميناً ويساراً دون أن أعثر على أي أحد من حولي، تركت المنزل على الرغم من محاولات زمزم المستميتة ورجائها لي بالانتظار حتى يعودوا لاصطحابي إلا إني رفضت وأصررت على المضي رغم خوفي من التيه والفضاء الذي يحيط بي ، وجدت طريقي بسهولة الى السيارة وذلك لقرب بيت زمزم من الطريق وانتظرت وأنا أحاول أن أتغلب على خوفي بقول أن السيارة مازالت هنا أذن لا خوف هم سيعودون بالتأكيد. تلك الدقائق التي مرت على في صمت جعلتني أدرك مدى صعوبة العيش هنا على زمزم التي هجرها أهلها وتعيش في مدينة للأشباح خالية من الناس.
**”لا أحد يحب العيش وحده في خرائب” هكذا أكد لي فرد ليمهويس Fred Leemhuis، رئيس بعثة ترميم الآثار الهولندية التي تعمل على ترميم بيوت المدينة القديمة بالقصر منذ خمس سنوات. جلس فريد (هكذا يسميه الأهالي) على مكتبه الخشبي، وسط أوراقه بقبعته والصديري الذي يلبسه، بعمره الذي يناهز الستون، نظارته الطبية، وذقنه البيضاء وسيجاره الغليظ يبدو كما يجب أن يكون عليه عالم الآثار. فالهدف الأساسي من المشروع هو جعل البيوت القديمة قابلة للسكن مرة أخرى وإعادة سكانها إليها وهو ما يجب أن يكون الهدف الأساسي من أي عملية ترميم وحماية للتراث وليس عزل السكان عن الأثر فالقصر مدينة تتميز بمبانيها التي تصل إلى خمسة ادوار من الطين الني والتي صمدت أكثر من أربعة قرون. لم تكن المهمة سهلة منذ بدايتها ” من سهل بناية بيت من الطين دور واحد ولكن بناء خمسة ادوار كاملة يتطلب ذلك حرفية وتقنية عالية وهي للأسف غير متوفرة نظرا لقلة من يعرفون حرفية بناء البيوت اللبنية” ولكن فرد قام بالاستعانة بمعلمين بنائين من مدينة القصر نفسها للعمل معه في المشروع وهما بدورهما قاما بتعليم أفراد لبعثة التي تعمل معه. ولكن من يريد العودة إلى الخرائب ؟ بعد النزوح إلى أسفل والتعود على نمط حياة مختلفة؟ “في الحقيقية هذا ما سيدهشك، بعد ترميم بيت واثنين بدأنا بتلقي عروض من أهل البلد لشراء البيوت فهناك من عرض علينا 17 ألف للبيت ولكننا رفضنا وطالبنا بالمزيد ” يضيف ضاحكاً فرد ثم يستطرد “ما نحاول فعله هو ترميم بيوت حارة بأكملها فلا احد يحب أن يعيش لوحده في بلدة مهجورة ولكن تبقى المشكلة الأساسية بدون إدخال ماء أو كهرباء قد تكون عودة الأهالي لبيوتهم مستحيلة”، أنهيت حديثي معه وأنا أتسأل مثله هل يمكن أن يرجع بالفعل أهل القصر إليها يوماً أم بمجرد انتهاء عمليات الترميم ورحيل البعثة لن يسمع بين جنباتها سوى الأنفاس المتهدجة و الهواء البارد الملطف وصوت المرشد الذي عينته هيئة الآثار لاصطحاب السائحين؟