بلاط مدينة الصلصال

تم نشر هذا النص كجزء من مقال بكتاب امكنة، عدد 2008

لم يكن حال مدينة بلاط كمدينة القصر بواحة الداخلة، فهي لم يهجرها سكانها تماماً مازال يمكنك أن تعثر على بعض آثار الحياة عند التجول في مدينة الصلصال، بين الطرقات المظللة حيث تلعب أشعة الشمس

 

by Rania Abu Eid

 

دور الرسام ألهاو على جنبات الممرات الطينية التي تفصل بين بيوت المدينة حيث جميع زوايا الطرق مستديرة والدرجات التي تفضي من مستوى إلى الأخر محدبة الأطراف تكاد ترى بصمات من قام بتشكيلها وتسويتها، على جانبي الطريق، وقفت بعض النساء في مداخل بيوتهن، ينظرن إلى المارين، يغطين وجهوهن بطرحهن يخفين بها ابتساماتهن ونظرات التساؤل في عينيهن.

وقفت هي كعروسة شمعية بوجهها المستدير المشدود وعينيها الصافيتين التي يحيط بهما من كل جانب خطين من التجاعيد وهما الدليل الوحيد على تقدمها في السن. تلبس أشارب ارجواني بنقوش حمراء يحيط بشعرها الفضي الذي يكشف عن سنها الذي يناهز الخمسين دون البوح به، بملابسها الزاهية وقفت كريمة أمام عتبة بيتها تنقل نظرها بيننا نحن الثلاثة بحيرة وتردد ولولا الأدب وأصول الضيافة لكانت اختفت بلمح البصر من أمامنا ” لا لا أتفضلي بس البيت منترك، بس أتفضلوا” قالت بتردد وهي تنظر إلى مرشدنا من أهل المدينة الذي يصطحبنا في الجولة، تستمد منه الأمان فهو الوجه الوحيد المألوف لديها، سبقتنا إلى الداخل وتبعتها ارفع قدمي عاليا لتخطي العتب المرتفعة لأولج إلى المنزل كأني أولج إلى بطن الأرض فالباب ما هو إلا فتحة مستديرة كبيرة ترتفع عن الأرض وينخفض سقفها فتضطر لخفض رأسك ماراَ إلى عالم آخر تشعر فيه كالجنين في رحم أمه ، تتهدج أنفاسك وتبدأ ضربات قلبك البطيئة ترن في أذنيك ويحيط بك الظلمة والهدوء والصمت. كان الباب يفضي إلى مدخل يفضي بدوره إلى بيت الجيران : يشترك البيتين في مدخل واحد مسقوف ومظلم تظنه كأنه بيت واحد ولكن لتكتشف بعد برهة الباب الجانبي الخشبي الصغيرة الذي يفتح على منزل آخر. البيوت هنا تشبه متاهة من الغرفة المفضية بعضها إلى بعض طينية ملساء مظلمة وحميمية.

بعض الدقائق تمر حتى تعتاد على الظلمة ، تهدأ أنفاسك وتبدأ بالنظر إلى الغرفة وأثاثها البسيط الذي يتلخص في حصيرة وفراش وكلوب سبيرتو كبير مركون على الحائط، في الحائط يمكنك أن ترى مغروز في الطين سلك الكهرباء، الدليل الوحيد على “المدنية”، عند طرف الغرفة يوجد على الأرض كومة رمال وقصعة بها مياه مما يفسر خشونة يديها الغير طبيعية المغطاة بطبقة من الطين الجاف فهي كانت تعيد بناء بيت أبيها بعد أن توفى لكي تنتقل إليه لتعيش به بعد أن انهار بيت زوجها.
شأنها كشأن نساء وعائلات كثيرة في بلاط عاشت كريمة حياتها كله في البلد لم تغادرها ، بعد أن نالت قدر من التعليم (معظم النساء في هذه المنطقة حصلن على قدر يذكر من التعليم حتى إن لم يتعدى المرحلة الابتدائية ) عملت بالمستشفى لتربي أطفالها فهي ترملت عند بلوغها التاسعة عشر فقط من عمرها فوجدت نفسها مسئولة عن طفلين ، عندها انتقلت مرة ثانية لتعيش في بيت أبيها ورفضت الزواج مرة أخرى . لا تنتقل من البلدة سوى لشهور قصيرة تقضيها في القاهرة لزيارة أولادها الذين استقروا وتزوجوا هناك “ابني متعلم وبعدين جالو شغل في القاهرة أنا قالي يا ماما لو عوزتي اقعد معاكي، خفت يقولي بعد كده منعتيني جالي قرش ومانعتيني، فجلتله يابني البلد اللي تعزك تبقى خير موطن” أكدت كريمة وهي تفسر لماذا انتقل ابنها من البلدة القديمة فمجرد كونه “متعلم” تفسر من وجهة نظرها الكثير فمن من الجيل الجديد “المتعلم” يرضى العيش في البيوت الطينية الرطبة حيث مازالت الحياة خشنة وغير مريحة. فالحياة بهذه البيوت لم تتغير عما كانت عليه إلا فيما يتعلق بالغلاء الذي طال كل شيء فتحكي كريمة أيام كانت بلاط تنبض فيها بالحياة ” عشان شغل البيت كنا نجيب رمله كده على دماغنا وطينة نجيبها زمان من الغرود دلوقتي بنشتريها، نقوم نعجنها مع الطيبة بس زمان ما كنتش الطين ده ده طين اخضر وبالجريد وبعدين كنا نغطيه بالطينة البيضة(…)كنا نخبز كل أسبوع أو 3 أيام دلوقتي الدنيا أتغيرت بقت فيه تلاجات ، زمان كانت الغلة رخيصة وماكنش حد يبيع كانت الجيران تدي بعضيها ده عندي ادي للتاني وده عنده يدي للتاني الزمن ده آن ماشترنيهوش ما نشفهوش ، كمان زمان ما كنش فيه في البلد تعليم كتير دلوقتي فيه تعليم والناس طلعوا في المسلح فمبقوش يشوفوا أهلهم، ماحدش دلوقتي هاين على حد، دلوقتي كمان المهر غلي أنا كان مهري 20 جنيه أصل الواحد مش قيمته فلوس إنما في قيمته ودينه”
بعد أن استضافتنا في بيتها تحكي عما كان ، اصطحبتنا كريمة حتى آخر الطريق المفضي إلى بيتها مارين من الظل إلى أول الطريق النازل الذي تتخلله بعض أشعة الشمس، عند نهاية الطريق توقفت وسألتها
– ممكن أصورك
– لآ لآ ماحبش لآ بلاش
– طب أتصور معاكي طيب ؟
– لآ، تفاجأت بلهجتها الحاسمة
– ديه مش أجنبية (تدخل حُمدة شارحاَ لها) فسارعت بقول – لأ أنا مصرية ومسلمة وموحدة كمان …
– لا ماني عرفة إنها مش أجنبية ، لا عندنا مانخلي الأجانب يصورونا أصل العيا كتر لا مؤاخذة، أصل ماكنش عندنا أمراض يعني زمان، يعني زمان ماكنش أجانب بيجوا ولا حاجة. جم وجه المرض.
لم افهم ما هي علاقة الصورة بالأجانب وما علاقتهما بانتشار المرض، إلا إنني اكتفيت بالاستماع والاندهاش بل بالانبهار بالموقف الذي لم استطع تحليله، فآثرت السكوت دون الاسترسال في الأسئلة خاتمة الحديث مستمعة إليها وهي تودعنا بالدعوات
– “أنت آنسة ولا مدام” سألتني على استحياء
-ـ آنسة
– طب روحي ربنا يحنن عليك بولاد الحلال

ابتسمت وأكملت طريقي مع حمدة ومرشد البلد مكملين جولتنا في أرجاء البلدة خافضين رؤوسنا في بعض الأحيان، صاعدين بعض الطرقات أو نازلين بعض الدرجات أحيانا أخرى، مارين بين زوايا الطرقات،

 

By Rania Abu Eid

 

عند المناطق التي تكشفها الشمس بقصعات زُرعت بالنعناع وريحان وزهور الكركديه القانية. عند أعلى القرية اختلف البنيان، تبدلت البيوت الحمراء الطينية القصيرة والملتصقة يبعضها البعض ببيوت عالية بعض الشيء بيضاء اللون ، هنا يقع بيوت عُمد القرية والذين ينحدرون جميعهم من عائلة البرنس وهي أول عائلة ، كما يزعم أهالي القرية، قدمت إلى هذا المكان أقامت واستوطنت واستقرت ” هي عيلة شبعانة عندها ابيار وأراضي وطبعا اكبر عيلة هي اللي تمسك البلد” شرح لي مرشدنا. وقف هناك محمود البرنسه يرحب بنا بقفطانه الازرق الزهري ولاسته الخضراء، بوجهه التي تشقه من قمة رأسه حتى عمق خديه أخاديد عميقة لوحتها الشمس، ينظر إلينا بعينيه اللتين بهتا بفعل الزمن، تظهر بين فكيه أثناء حديثه أسنانه المبرودة مصدرة صوت صفير خفيف عند حديثه. جلست أمامنا زوجته بوجهها المشدود المسحوب الأسمر تستند على حائط بيتها تجلس القرفصاء تنقل عينيها العسليتين الجميلتين بيننا وبين زوجها وهو يحدثنا “اسيب البلد ليه ، هنا مافيش أي إشكالات، أنا هنا بأصلح ما بين المتخانقين ماعنديش حد في بلاط يروح الجسم، الا لو جريمة جتل بس ده ماحصلش عندينا لأ ولا حتى سرقات، إنما شوية نزاعات بتبقى على ارض مايه بتاع كده ، يعني بهيمة سابت على زرع التاني، يدفعله تعويض والتاني ممكن يسامحه يبوس على دماغه حجك عليا وكده حق عرب يعني” على عكس أهالي القصر الذي انتقل أغلبية سكانها، الكبير والصغير وحتى عمدة البلد، إلى الأراضي المحيطة بها، بنوا بيوت من الأسمنت، فبلدة بلاط لم يتركها سوى الأجيال الحديثة، فهنا مازال يقطن محمود البرنس، عمدة بلاط، وزوجته حتى وان تفرق أولاده السبع مابين الأراضي المنبسطة المحيطة بالبلدة أو بالخارجة والقاهرة وموط للعمل. عندما طال الوقوف والصمت بدأ يخيم علينا، قالت لنا زوجته (والتي لا يناهز جمالها سوى اللوحات الزيتية التي رسمت بدقة) “أتفضلوا نجيب شاي” هنا أدركت أن الحديث قد طال وآن الأوان للذهاب فلقد بدأنا نثقل عليهما فشكرناهم واستدرنا، وقف هو يودعنا بابتسامة عريضة ونظرة لم تفقد بعد فضولها

مين مايعرفش عمارة رشدي؟

تم نشر هذا المقال بمجلة امكنة، العدد الثامن  وكان يدور عن الخيال وكيف يتفاعل الناس مع الأسطورة الشعبية ويتعايشوا معها

رشدي ابو قير لو سمحت”… “عارف العمارة المسكونة اللي هناك، ادام بنزينة التعاون؟! انا حانزل هناك”

، دون ان يطر ف له جفن او حتى تغطي عينيه نظرة التسائل والأندهاش التي توقعتها، هز سائق التاكسي رأسه واجابني ” ماشي، ماشي” نظرت حولي في التاكسي، الى السيدة التي ركبت بجانبي او الى الشاب الذي جلس بجوار السائق، لم تتغير وجوههم او حتى لم يطالني منهم اي نظرة استنكار او استغراب، كما لوكان شيء طبيعي وغير مستنكر ان تكون هناك بالفعل ” عمارة مسكونة” حيث العفاريت او الجن او كائن ما يكن قد اتخذ له مسكنا. والغريب اننا لسنا في قرية بعيدة مهجورة ولسنا بصدد بيت يقع في اعلى مدق ترابي فوق تل بعيد تحوم حوله الخفافيش وتضيئه اشعة القمر الزرقاء (او هكذا اتخيل ما يمكن ان يدور في عقل القاريء الذي لايقطن الأسكندرية ولا يعرف احيائها وهي صورة طالما تناقلتها افلام الرعب القديمة ) ، اود ان أؤكد اننا في وسط المدينة، في احد الأحياء الراقية المأهولة بالسكان، على شارع عمومي وهو شارع ابو قير و هو من اهم اكبر ثلاث شوارع رئيسية في الأسكندرية. هنا وسط زخم وصخب المدينة استقرت تلك الأسطورة في عقول الناس ومهما كانت خلفيتهم الأجتماعية او الثقافية أو الدينية فهي راسخة في عقولهم ، يتعاملون معها بطبيعية كجزء من حياتهم ـ رضوا بهاوتقبلوها وتعايشوا معها دون ان يتوقفوا عندها او يحاولون ان يتشككوا في اصلها. ” مين مايعرفش عمارة رشدي المسكونة؟ ” صحيح من لا يعرفها؟ فعلى احدى المنتديات على شبكة الأنترنت تجد الشباب يتداولون هذه القصة، حتى صديقي الأسباني الذي يعيش في الأسكندرية منذ ثلاث سنوات يعرف هذه العمارة فقد كتب لي في أحدى الأيام

“Hi Heba It’s funny, but it happens that I heard about this story and I know even where the building is. If I’m not mistaken, it is in Roushdy, in a corner of Aboukir street. Someone told me that people where living there and they became to feel that there were some phantoms or spirits living there, so they decided to leave the place (…)

“ هاي هبة من الغريب انني قد سمعت بهذه القصة ، وحتى انا اعرف اين تقع هذه العمارة، اذا لم اخطيء هي تقع في رشدي، في ركن من شارع ابوقير. هناك من حكى لي ان هناك بعض الاشخاص الذين كانوا يعيشون هناك شعروا ان في المكان اشباح وارواح تعيش فيه لذلك قرروا ان يتركوه..”

وهي القصة او الأسطورة التي انتشرت بين الناس ، فانا اتذكر حتى الأن اول مرة سمعت فيها بهذه القصة، كنت في المرحلة الأعدادية ، حكت لنا احدى صديقاتي عن العروسين اللذين وجدا اثاثهما ملقي من الشبابيك في صباح زواجهما ، وعن الحنافيات التي تسكب دما بدلا من الماء .. لم يسعني في هذا الوقت سوى الأستماع والتصديق وتجنب سؤال صديقتي اين بالضبط تقع هذه العمارة فأنا كما يقولون ” قلبي خفيف” وطالما احترمت حدود خوفي ولم احاول ان أعرضني لمثل هذه التجارب المقلقة والتي لن تسبب سوى المزيد من الأرق لاختي التي تشاركني الغرفة والتي ستضطر مرة أخرى الى النوم وضوء الغرفة مضاء ***توقف التاكسي امام العمارة بالضبط واشار السائق ” اهه، هي ديه العمارة” ترجلت ووقفت انظر اليها من بعيد، كيف يمكن لمكان ان يبدو مكفهر وكئيب هكذا، فالعمارة تبدو سوداء مكفهرة تطايرت معظم شبابيكها مكعبة الشكل دون اي لمسة جمال او زخارف تزينها ، قصيرة بالنسبة للعمائر العالية التي تحيط بها من اليمين، تقف كشخص غير محبوب او غير مرغوب في وجوده او هكذا بدت لي ام هي لمحة شاعرية صوّرها لي خيالي، وبدات افهم هذا الشعور المبهم بالخوف والقلق الذي قد يعتري الناظر اليها فاتذكر جميع ما تداوله الناس عن هذه العمارة من أقاويل وحكايات تبدأ دائما ب” سمعت، بيقولوا…” وغيرها من كلمات غير مثبتة او دقيقة تتناقلها الألسان ولكن بعد ان تضيف اليها شيء من الرؤية الذاتية والخيال الشخصي …فبالنسبة لامنية، البالغة من العمر 32 عاما تلك العمارة دائما “قبضت قلبها” ، ” فيها حاجة غريبة العمارة ديه، عمر الشمس ما بتنورها، اصل لما الشمس بتبقى طالعة بتنور وتدخل المكان الا العمارة ديه- الشمس مابتنورش جواها – شأنها شأن اي شخص ترك لمخيلته العنان ولكنه لايستطيع التاكد مما شعربه او انتابه فهو حقيقة بالنسبة اليه ولكن خلفيته العلمية والثقافية واحيانا الأجتماعية والدينية تأبى عليه تصديق ذلك فتضيف أمنية بصوت متردد- … او ممكن الواحد موهوم ، مش عارفة”، وتجربة أمنية، مع هذه العمارة تبدأ منذ ايام دراستها في تجارة انجليزي ” مرة كان عندي course أيام الجامعة وكنت حأركن جنبًّها ، اتلبشت خفت أركن جانبها فضلت الف على ركنة حتى أتأخرت على الدرس”. اما بالنسبة لرشا البالغة من العمر 32 عاما، وهي جارتنا التي اعتبرها كأخت لي فهي لاتجرء الأقتراب من هذه العمارة وهو شيء لا استغربه عليها فلطالما انزلتنا جميعا مهرولين على السلالم من جراء صراخها المتواصل حين رأت قطة صغيرة سوداء في بير السلم او عندما تحكم علينا ان تقف لاضاءة نور السلم اذا اطفأ حتى تبلغ شقتها في الدور الثالث، جلست رشا في هذا اليوم بصالة منزلنا وهي تحتسي الشاي تحكي ” انا بترعب منها، اصلها سودة قوي، من كتر الحرايق اللي كانت فيها، ايام ما كان فيها سكان ” ثم استطردت ” هما بيقولوا كده … انا عمري ماشفت فيها سكان” جالسا في مكتبه الأنيق في احدى الشركات متعددة الجنسيات، بين رنة تليفون واخرى، جلس ياسر،39 عاما، ينفث دخان سيجارته وينقر من حين ولاخر على ازرار الكمبيوتر المحمول الخاص به “آه عمارة رشدي .. طبعا عرفها ، أنا ليا تجارب شخصية مع العمارة ديه، انا كنت ساكن في رشدي وكان ليّا صحاب عايشين هناك، كنت ممكن ألاقي في يوم شيش للعمارة واليوم التاني مالاقيش ولا شيش ” ويحكي ياسر عن احد المغامرين الذين ارداوا ان يكسروا هذه الأسطورة ” كان فيه واحد ضابط شرطة قال ان ديه خرافات وقرر يعيش فيها بس شاف بلاوي …” غير ان ياسر لم يوضح ما كنه هذه البلاوي… ” ياستي لاعفاريت ولاحاجة، تكلم عم عطية بنزق وتأفف، انا بجالي بشتغل هنا عشر سنين ،اجولك الحجيجة انا جيت سمعت اللي بيتجال، طلعت فوج لجيتها نضيفة طلعت بالنهار ماشفتش حاجة طلعت بالليل برضه ماشفتش حاجة” وقف عم عطية السايس قصير القامة مشدود العود ينظم حركة العربات الداخلة والخارحة من جراج العمارة الواقع مدخله في الشارع الجانبي للعمارة والذي يفضي لطريق الترام من ناحية وشارع ابوقير من ناحية أخرى ومن حين لاخر يكشف سر من اسرار العمارة الغامضة بعبارات مقتضبة تشوبها السخرية احيانا “عفش بيطير وشبابيك بتختفي؟!!.. العمارة هي لسه ماتشطبتش مافيهاش بلاط ولا شيش ومفيش ولا حد سكنها جبل كده” من اول الشارع ، تتقدمان المرأتان تتهاديان وهما تضحكان، في جلاليبهما الملونة وطرحاتهما التي تغطيان الرأس والصدر بدتا كفلاحتين يتباين وجودهما مع هذه المنطقة الراقية والعربات الحديثة الفخمة المركونة بالشارع المستظل بالأشجار الوافرة، توقفتا قبال عم عطية ” ونبي ياعم عايزين شقة بالعمارة عندكم” ، اجاب بوجهه المكفهر يشوبه الملل “طب ياستي لسا مافتحناش لما نفتح نبجا نجولكم..” ، انه المشهد الذي على ما يبدو يتكرر بشكل او بآخر كل يوم كأنه نكتة متعارف عليها بين سُياس وبوابين الحي ولا يسع عم عطية البالغ من العمر 51 عاما وهو الواقف ليباشر عمله سوى التأفف من كثرة الفضوليين الذين طالما عطلوه عن عمله وضايقوه هو واسرته الساكنة بالركن المنزوي داخل الجراج فكل يوم يحمل لعم عطية المزيد من المضاياقات اما من وسائل الأعلام كالصحفيين المبتدئين الذين يبحثون عن سبق صحفي يعينهم في بداية مشوارهم المهني او من قبل اشخاص عادية ينتابها الفضول ” ممكن انا اجعد مع الواحد ساعه او اتنين اتحدت معاه واجول له ان العمارة مافيهاش حاجة وبعد كده يجولي انتَ كداب، طب انا مرة حطيت خرطوم ميه في قفا لواء، كنت باشتغل ولقيته دخل ورايا، اعد يجولي ” انت قولي قصة حياة العمارة ديه” طب يعني انا حأسيب شغلي واجعد احكيله جصة حياتها، قلت له عندك صاحب العمارة أسأله، يجولي ” لا انت تعرف انت قاعد فيها طول النهار” فآخر المتمة حطيت الخرطوم في قفاه والدنيا كانت تلج” يضيف عم عطية وشبح ابتسامة خبيثة ترتسم على وجهه. ولكن اكثر من يعاني من مثل هذه المضايقات هي زوجته واولاده ” ” يعني لما بيبقوا بنات يعني بنضيفهم انما لما يبقوا جدعان كده بيبقوا غلسين اقوي” تشتكي ام عطية وهي جالسة القرفصاء على الكرسي الخشبي الصغير تقشر البطاطس وتقطعها، من المحاولات السخيفة للفضوليين الذين لايحترمون احيانا حرمة البيت الصغير وحياء النساء القاطنات به. ما يثير الدهشة كيف تواجد هذا البيت الكامل المكون من غرفتين او ثلاث في هذا الركن الصغير المنزوي من الجراج والذي لاتحميه عن الأعين الفضولية سوى ستارة خفيفه. خلفها تقع غرفة الجلوس المجهزة بجهاز تلفيزيون وكنبة مرتبة ونظيفة والمطبخ وغرفة صغيرة خلفية. بين صخب حفيدها الصغير وهو يخبط بعصاه المعدنية على الارض ومحاولات زوجة ابنها لردعه، جلست ام عطية التي مازالت تتمتع بحلاوة الشباب وهي تحكي “للحج مافيش حاجة من ديه خالص، العمارة مافيهاش حاجة” الا ان ذلك لم يكن رأي ام عطية منذ البداية فمنذ قبول زوجها بالعمل في هذا المكان كانت ترفض رفضا قاطعا ان تنتقل للعيش اوتخطو رجلها هذه العمارة ، حيث بقت في دمنهور، مسقط رأسهما، العام الاول كله مما اضطر عم عطية ان ينزل اجازات للبلد ليراها ويترك ابنه الصغير في العمارة ليباشر العمل بدلا منه ” لما لجيت العيل الصغير ابني جاعد فيها وما فيش حاجة وكان بيجولي ياماما مافيش عفاريت ولاحاجة هنا بس رضيت انزل واعيش فيها” الا ان….. ” الحجيجة هي مرة واحدة بس شفت جنيّة- تستطرد ام عطية¬ – كنت بولع البوتاجاز ورميت عود كبريت في البلاعة فطلعت ليا هي وولادها تجولي “احنا ماآذيناكيش ليه تأذينا، هي كانت قزمة كده ماتجيش في طول الواد محمود (حفيدها) وولادها صغيرين كده حوليها، كانت شبه الأقزام اللى بيوجوا في التلفيزيون للأطفال، آه سبه الكرتون كده، جريت انا اتغطا ومعملتش حاجة- ثم اكملت وهي تضحك على استحياء- لما حاكيت لآبو عطية ضحك عليا “، ” لو كنت بصدج الحكايات دي ماكنتش حاعرف اعيش ، انا كنت في بلادنا بنام في المقابر، وكنت بأعيش في الجبل وأشوف تخيلات ولا بأحط في دماغي” اكد ابو عاطية وهو يساعد السيارة في الخروج من الجراج. فبعد ان باع اخوته ارضهم في دمنهور لم يبقى له “لقمة عيش” هناك انتقل للعيش والعمل في الأسكندرية وبعد التنقل بين عدة اماكن استقر به الحال للعمل عند صاحب هذه العمارة، وهو بالرغم من الأجر الزهيد يعيش راضي ومستقر في هذا المكان” **”الحكاية ان صاحب العمارة ديه، راجل غني عنده مادة مش محتاج، عنده زي العمارة ديه يجي خمس عمارات تانية، لما بناها كان عايز يعملها فندق ولكن المحافظة رفضوا يدوله تصريح لانها تقع على شارع عمومي ، منعا من التجمهر” هكذا يسرد الحقيقة عامل الكوافير الذي يعمل في المحل الوحيد الذي يقع في العمارة ، فهو يعمل في المنطقة منذ اكثر من خمسة واربعين عاما ولم يجد على العمارة ما يسوئها او يؤكد الأشاعات التي اطلقت عليها، وهو ما يؤكده كذلك ابو عاطية “ماهي الأسئلة اللى بدور في دماغك برده بدور في دماغي، بس هو كده ” من حكم في ماله، ماظلم، لما رفضوا يدوله التصريح سابها كده. هو مش متجوز ومالوش ورثة غير ولاد اخواته وحتى سدّ المدخل علشان لما لجى الناس بتحاول تدخلها تشوف فيه ايه”- ويستكمل ابو عطية ” هي ديه الحجيجة بس احنا ناس مابنحبش الحجيجة” بالطبع ان هذا التفسير البسيط لايمكن ان يرضي او يشبع فضول الكثير من الناس، ومن هنا بدأت الأشاعات وهي محاولة من العقل الأنساني لايجاد اجابة للسؤال الذي يساوره : لماذا؟ لماذا يترك هذا الرجل ، عمارة بهذا الأتساع مكونة من ستة اطباق، في هذا الموقع المتميز، مهملة هكذا دون ان يحاول ان يشطبها او يسّكنها او حتى ان يهدها ويبيعها ويكسب من ورائها الكثير… ولاتخرج التفسيرات التي تداولها الناس عن اربع مقولات، فهناك من يؤكد ان الكثير من العمال قد توفوا اثناء بناء العمارة ودفنوا تحت انقاضها، ” انا سمعت ان كان فيه واحد مغربي عايز يشتري شقة فيها… لأ لأ… كان عايز يشتري العمارة كلها وحصل خلاف مع صاحب العمارة– وانتي عرفة ازاي الناس المغاربة دول بيفهموا في السحر والحاجات ديه- فعزّم له عليها، حط مصاحف حوليها وعمل له عمل” هكذا تؤكد امنية ما سمعته في صغرها من اقاويل ، اما ياسر فله رؤية مختلفة وان تشابهت مع قصة امنية ” الراجل صاحب العمارة كان مشارك واحد سوداني ونصب عليه -وانتي عارفة ازاي الناس السودانيين دول بيعرفوا في السحر- فعمله عمل” اما المقولة الرابعة ان العمارة قد بنيت على انقاض مسجد ، وما تتعرض له العمارة ما هو الا انتقاما من الله لهدّ هذا المسجد. في محاولاتهم لتفسير اللغز ، حاول سكان المدينة ان يستمدوا من موروثاتهم الدينية والعقائدية ما يفسرون به هذا اللغز وهي في كل الأحتمالات تفسيرات مبينة على فكرة الاثم المرتكب والعقاب. ففي فكرنا وموروثاتنا يجب ان يكون هناك اثم قد وقع وعقاب مستحق، وهي فكرة يتقبلها العقل البشري بسهولة بل يلجأ اليها في كثير من الاحيان ليسد بها الكثير من الفراغات والابهامات التي تتواجد في محيطه وبيئته وحتى في حياته اليومية، وهي فراغات لم يتعود الانسان قاطن المدينة على وجودها نظرا لما تحتويه حياته من زخم فهي فكرة يطمئن لها الأنسان ويألفها ، فالعمارة وصاحبها لابد ان يكونا قد ارتكبا اثم ما ليستحقا ما وقع عليهما من هجر والا لماذا…. بدء النهار يمر سريعا واقترب وقت المغرب ، لذلك كان لابد ان اترك المكان قبل هبوط الظلام فعامة لم يكن المساء من الأوقات المفضلة لدي وخاصة في هذا اليوم الممطر بعد هبوب احدى نوات الاسكندرية الشهيرة، كما لم ارد ان اثقل على ام عطية واتركها لتكمل اعدادها للطعام ، فحاولت ان اترك المكان متجنبة المرور بالجانب الأخر من الجراج فلقد حكت لي ام عطية انها عندما تمر بهذا الركن الأيسر “روحها بتنسحب” الا انها عادت واكدت ان العمارة “ما فيهاش حاجة !!!”

…كالمرور من بوابات خفية لمكان منعزل

By Heba El Cheikh

By Heba El Cheikh

تم نشر هذا المقال بكتاب امكنة، عدد 2008

لم أكن أتوقع ما رأيته حين زرت مدينة القصر القديمة بواحة الدخلة لأول مرة، لم يدفعني للذهاب إليها سوى بعض اللقطات التي استحوذت على تفكيري عندما شاهدت فيلم أبو علي ، أو ما خلفته في نفسي من اثر أسطورة “النخل الذي فقد ظله” في فيلم عرق البلح لرضوان الكاشف، والذي توقعت أن يكون خيال السينما قد بالغ في كثيرا مما سرده.
بعد الانعطاف من عند المؤذنة القديمة (والتي ظننتها في أول الأمر برج حمام طيني) وضريح الشيخ نصر الدين بقبته الهرمية لم يسعني سوى حبس أنفاسي عند التجول بين جنبات البلدة القديمة التي ترجع إلى العصر الأيوبي، فآخر ما كنت انتظره هي تلك البيوت اللبنية بارتفاعاتها التي قد تصل إلى خمسة ادوار وأبوابها المهيبة التي تعلوها النقوش والأقواس المزينة بالطوب الأحمر والأبيض ، أو تلك الممرات المسقوفة التي تعلوها شرفات بها طاقات حيث كان حراس البلد يختبئون ويتربصون بالغزاة قديماً، أو تلك الأبواب الخشبية العريضة التي نقش على أعتابها الخشبية التي تعلوها تاريخ البناء الهجري والميلادي واسم المعلم البناء واسم صاحب البيت بنسبه الذي يصل إلى رابع جد دون إغفال ذكر “انه فلان بن فلان بن فلان الواحي ألقصري القريشي”! (فمعظم العائلات التي سكنت القصر عائلات من أصول ترجع للجزيرة العربية منها عائلات من الأشراف يرجع أصولهم إلى الحسين بن على والقرشية والدينارية.)
كلما ابتعدنا عن أطراف المدينة حيث المنازل مازالت بيضاء اللون وقد خُط على جدرانها تاريخ حج صاحب البيت ووقوفه على عرفات هو وحرمه وابنه بالتاريخ الميلادي والهجري في مربع كبير مزين بالأشكال الهندسية الزرقاء والحمراء، كلما تركنا خلفنا أصوات العالم الخارجي وتوغلنا إلى قلب البلد القديم، كالمرور من بوابات خفية لمكان منعزل لا يسمع فيه سوى الأنفاس المتهدجة و الهواء البارد الملطف وصوت المرشد الذي عينته هيئة الآثار لاصطحاب السائحين. عند نزولي بعض الدرجات ومروري بالأبواب التي تفصل بيت كل عائلة عن الأخرى والتي كانت تقفل ليلاً لحماية البلدة أو عندما خفضت رأسي أكثر من مرة للعبور من تحت سقف حارة إلى حارة عند انعطافاتها الحادة والتي بنيت كذلك لمنع خيالة الجيش السنوسي قديماً من مهاجمة المنازل، لم يسعني سوى التساؤل كيف كانت الحياة هنا بين جنبات القصر، كيف كان صخب الحياة في ظل الحارات ؟ كيف كانت حميمية المعيشة بين أفراد الأسرة الواحدة ، بين أبناء الحي الواحد بل بين البلدة ككل؟ متى هُجرت البلد وفي ظل أي ظروف؟
“لا أبدا الناس يعني سابت البلد مش من بعيد ” أجاب المرشد على سؤالي بعدم اكتراث “ايوه يعني من امتى؟” كررت سؤالي متوقعة الإجابة أن تكون منذ قرن أو اثنين ولكن لدهشتي أجاب “يعني تيجي لها 15 أو 20 سنة بس ودخلت البيوت الآثار يعني من خمس سنين بس”!!
كيف يهجر أهل البلد هذا الجمال والهدوء والسكينة ولماذا؟ كيف تركوا هذه البيوت الحميمة ونزلوا بالأراضي المجاورة المنبسطة يبنون بيوت من الأسمنت يعيشون فيها ؟

**” يعني كانت قدامي فرصة اسيبها ؟!!” تساءل بنزق وانفعال محمد أيوب، الناظر في التربية والتعليم وهو يبلغ من العمر 58 سنة. جلس يستقبلنا وسط أسرته، زوجته حربية وابنه الكبير وأحفاده التي تتعالى أصواتهم من الغرفة الداخلية. عند دخولي إلى المنزل استرعى انتباهي الكتابة التي خطت فوق جداره الخارجي بالخط الأزرق العريض “منزل الحج محمد مصطفى أيوب وحرمه” عند ولوجي إلى المنزل المكون من طابق واحد ألقيت نظرة وراء ظهري فلمحت الكمبيوتر الذي يتوسط الغرفة الخلفية وراء الستارة الشفافة التي تفصل بين الغرفتين ولم يسعني إغفال ملاحظة التلفزيون والجهاز استقبال الدش الذي وضع في ركن الصالة حيث دارت القنوات الفضائية طوال زيارتي له.
اعتدل في جلسته وبصوته الجهوري الذي بدأ يفقد حدته اخذ يشرح لي “إحنا كنا حوالي 52 واحد في البيت القديم ، كل شوية يبنوا اوضة لغاية مابقاش فيه مكان في داخل القرية، الحيز ضيق، زمان القصر كانت محصورة في مساحة ماتتعداش كيلو “، أنا دلوقتي عندي 5 عيال (لكل واحد عيلين) ودلوقتى عايز ابني لكل واحد شقة ، حنعمل إيه حانعيش مع بعض؟؟ وبيعدين البيت كان قديم كان حيقع ، الناس غرقت في الشتوايا اللي فاتت، يعني انا لو طاوعت والدي وقعدت في البيت كنت حاعرف أبني هنا دلوقتي مثلا؟ لأ، كان غصب عني انا لقيت فرصة قدامي فاتهزتها ” ، الاهتمام بالواحات بدأ في عصر عبد الناصر فبدأت الحكومة تبنى مباني تابعة للتعمير العمراني “الشقة ديه كانت لسه أول تعمير الصحاري وزعوها على الناس، وده كان نصيبي منها، لغاية دلوقتي إيجارها 20 جنيه، ومافيش تمليك، يخلص ثمنها وتبقى ملكك، تمنها على بعضه حوالي 12/13 ألف جنيه.”
لم يكن حال محمد وعائلته كحال العديد من سكان القصر الذين تركوا البلد، فهو لم يسافر الكويت أو الخليج بوجه عام كحال من سافروا في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، والذين لم يستطيعوا عند عودتهم السكن مجدداً في البيوت القديمة الطينية ففضلوا الاستقلال عن الأسرة والنزوح إلى الوادي يبنون بيوت من الأسمنت فحدثت طفرة في مستوى معيشتهم وفي حياتهم “اللي عمل الطفرة ديه التعليم بس، زيادة المدارس بس كمان استقلال الشباب اللي عاز ياخد مكان ويعيش لوحده. بس ده يعني تكون الحكومة تدخلت وطردت الناس من البيوت القديمة وكده يعني؟ لأ ده كان حاجة طبيعي الناس ابتدت تطلع بره اللى راح الكويت واللي راح العراق والناس ابتدت تجيب فلوس ، تطور مستمر: اللي راح القاهرة ، اللي راح الجيش والكليات وشافوا المدنية.” ويتذكر محمود وقت نزوحه من المنزل القديم “وقت ما مشيت جدي كان عايش وزعل وقعد خمسة ستة شهور مايكلمنيش ولايجي ولكن بعد كده اقتنع لما رحت اقوله أنا حامشي زعل ماكلمناش “قاله تعلى نقي أحسن حتة في البيت خدها ، الأوض اللي أنت عايزها اقعد فيها وماتطلعش أنت والعيال وبقية العيلة كانت زعلانة إننا نسيب البيت وأنا كنت بافكر بمنطق العقل وهم بالعاطفة ، اهلي برضه طلعوا بعديه اللي طلع البحرية واللي طلع الكويت، بعد كده تقبل الموضوع بقى يقول “اللي عايز يطلع يطلع” لما شاف الدنيا بتطور”

“أصل الناس ماحفظوش النعمة ولفظوها وفرحوا إنهم نزلوا في الخلا لكن أيام البيوت القديمة ماحدش اشتكى بمرض أو بوجع راس أو بلا مؤاخذة بمغص ولا سكر، السكر ده ماكناش نعرفه إلا انه السكر بتاع الشاي (…)”
لم يكن الحاج محمود أبو بكر مجرد شيخ عجوز يناهز الثمانين أو كما قال لي بالتحديد “أنا من مواليد 26\6\”1928، يحكي عن الأيام الخوالي ويسترجع ذكريات الزمن الجميل بل كان رجل عاش حياته في هذه البلدة، خبر جميع تطوراتها، يحتفظ بذاكرته بأدق التفاصيل عنها، كما انه من عائلة أبو بكر من اكبر عائلات القصر يتمتع بمكانة كبيرة لدى جميع الأهالي الصغير والكبير منهم، مكانة توارثها جميع أفراد عائلته مروراً بوالده الذي كان من أعيان البلد تقلد منصف شيخ الغفر يرتل ويقرأ القرآن كما أكد لي حمده، صديقي ألقصري ومرشدي.
جلس الحج محمود في مقعده بقامته الضئيلة التي ضمرت بفعل الزمن ووجه الصغير الذي اخفت معظمه نظارته الطبية واللاسة البيضاء التي أحاطت برأسه ، شتان بين حاله الآن وبين الصورتين المعلقتين على الحائط إحداهما يلبس فيها عقال كويتي وفي الأخرى يلبس عقال سعودي، يبدو فيهما بعنفوان شبابه وفتوته بشاربه المفتول المدبب الأطراف وقامته المنصوبة، اخذ ينظر إلينا بعينيه الصغيرتين ويحكي لنا بصوته الرفيع ونحن مأخوذين بالكلمات التي تتدفق من بين شفتيه ” أصل الطوب الني دي له حكاية مع الإنسان لان الإنسان مخلوق من إيه؟(رددنا في وقت واحد : من طين !) آه وخلقنا الإنسان من سلالة من طين طبعا كل شيء يحن لأصله ومادام البني آدم معمول من طين يحن للطين اللي بتتعمل منه البيوت لذلك تلاقيه حنين في كل حاجة في الشتى والبرد تلاقيه يديلك دفء وفي الصيف والحر يديلك براد” ثم يستطرد “أصل القصر ده مبنية على أساس علمي وعلى أساس تكييف مركزي لما تدخلي في وسط البلد وتمشي فيها حتلاقي أماكن مسقوفة وأماكن زي المنور ديه وأنت جيه من الغيط وأنت جيه من الخلا ديه تلاقي درجة الحرارة يمكن توصل لحد أربعين لما تدخلي وتمشي في وسط البلد تلاقي براد وهوا بارد مكرر، لأني ابني البيت بناعي هنا وأنت تبني البيت بتاعك هنا ونسيب حته فراغ ما بينهم ونعلي الحيطة القبلية والهوا يجي من بحري، الهوا يجي يخبط في الحيطة ديه ويقوم نازل ايه في الشارع على بال ماتوصلي للبيت وأنت جايه من الغيط من الصحرا والحر تحسي بالبراد”
يسترجع الحج محمود حياة القصر القديمة حين كان والده مازال على قيد الحياة حين كانت البلدة مازالت عامرة بالسكان ” كنا سبع أخوال والوالد الله يرحمه كان زى السيف يبص للواحد يترعب، كويس وحليم وحنين ماكنش يحب الحرام قبل مانخرج يدينا درس ، كان عنده المضَيفة أي واحد يشوفه في الشارع غريب لازم يجيبه البيت، المضَيفة جنب البيت الضيف ياخد يوم، يومين تلاتة يأكل ويشرب. لغاية ما يخد حاجته من البلد ويمشي. لان القصر ديه كانت أصل الصناعة الحدادين البناين من القصر جميع المهن كانت من القصر ، كان يوم الجمعة الناس تأتي من العزب ديه للقصر اللى عايز يصلح الفاس بتاعه، عنده ببان/طاحون /ساقية عايز يعملها …الخ كانت الناس تيجي يصًلوا الجمعة ويقضوا مصالح ، والدي الله يرحمه كان يقعد بره الجامع ينتظر الناس الغريبة اللي مالهمش بيوت هنا وجه ميعاد الغذاء فكان يبعتنا نجيبهم على المضيفة يصلوا ويتغدوا وتمام تمام ويروحوا ماشيين.”
بالرغم مما يحكيه عن الحياة داخل القصر القديمة وجمالها إلا أن الحج محمود يباهي بأنه “أول من نزل تحت”. بدأت حياته المهنية من قبل الثورة حين كان يعمل طباخ عند خواجة سوري يملك الأملاك والأطيان، بعد الثورة والتأميم فقد الخواجة أملاكه ثم جاء انفصال الوحدة عن سوريا لتقضي تماما على مستقبل محمود الذي كان في ذلك الحين يتنقل مع صاحب العمل من مكان إلى آخر ومن بلد إلى أخرى فمن القاهرة للبنان لسوريا حتى اضطرته هذه الظروف للعودة إلى القصر وهناك تقدم لشغل منصب طباخ في هيئة تعمير الصحاري حيث كانت تضم استراحة يقيم بها 46 مهندس (كانت هذه الاستراحة مبنية للملك فاروق) بعد فترة اختبار عصيبة قررت لجنة اختباره تعيينه ولكنه في نفس اليوم تلقى جواب به عقد عمل في الكويت.
“خدت 22 سنة اشتغل في هيئة التربية والتعليم في الكويت من 63 ل 87 أنا كنت سبب إن ناس كتير تيجي تشتغل في الكويت كان فيه شقة فيها فوق ال17 نفر ماكنش حد يقدر ياكل بلحة او تفاحة من غير التاني، أنا كنت لما اعمل حفلة في آخر الحفلة يديلي خروف خروفين، فواكه بالقفص والموز بالقفص أجي أحطهم في العربية بتاعتي وأروح والله العظيم تكون الساعة 3 الفجر نايمين اللي في الشقة اخبط اصحي الكل اللي ياكل تفاح واللي ياكل لحمة واللي ياكل رز يتعمل الشاي بعدين نلبس ونروح على الشغل، فلان عيان في المستشفى ندور نلف على كل الناس نلم، فين دلوقتي الحاجات ديه دلوقتي الأخ ما يشوف اخوه”
اقتصرت علاقة الحج محمود بالبلدة القديمة على الزيارات القليلة التي كان يقوم بها كل سنتين حتى عاد بصورة نهائية عام 87 ، هنا كانت العديد من الأسر ومنها أسرته قد تركت منازلها القديمة فلم يجد بد من البناء تحت والنزول حتى وان بقى أخيه الكبير وكبير العائلة في ذلك الحين فوق حتى توفي بالتالي كما هو الحال مع البيوت التي يتركها أهلها تتم ضمها إلى هيئة الآثار “أصل الناس ماسبتش بيوتها مرة واحدة ديه تالت مرة ديه من البيت القديم في قلب البلد اتطور شوية وبنى على طرف البلد ومن هنا طلع بره يبني مسلح (…)”و ذلك لان البيت الذي يصنف من الآثار من الصعب إجراء به أي تغيرات أساسية كإدخال الماء والكهرباء والبنية التحتية مما يضطر الأهالي إلى النزوح من البيت وخاصة مع تكاثر أفراد العائلة ومنع بناء غرف جديدة على الأثر. فعائلة الحج محمود تملك وحدها منزلين احدهما في قلب البلد والثاني عند إطرافها “إحنا ماسيبناش البيت القديم لان فيه المايه والنور ولما حد بيحب بناجره”
** وقفنا فوق سطح بيت الحج محمود القديم، عند أطراف المدينة بالقرب من ضريح الشيخ نصر الدين الولي، نتأمل المدينة بأكملها بأسطحها المكشوفة الطينية غير المنتظمة ، فجأة لاح أما أعيننا منظر غريب وشاذ في هذه القرية المهجورة : حبل غسيل نشر عليه غسيل ملون احمر وابيض. عدوت على سلالم البيت المتهالكة ، وحُمدة الذي يصاحبني في أثري، مارة بالحواري الضيقة ابحث عن الدليل الوحيد على وجود بشر في هذه الأنحاء لأرى من مازال يسكن في “الخرايب” (أو هكذا أصبح يطلق على المدينة القديمة) عند دخول المنزل تنحى حُمدة جانباً وانتظر بالخارج احتراماً لحرمة البيت الذي لا يوجد به سوى زمزم، وهي تعد هي وأسرتها الصغيرة من آخر الأسر التي مازالت تسكن القصر، أدخلتنا إلى المنزل الذي تناثر به فرشها البسيط : ألوان البيت،الكراكيب المتناثرة هنا وهناك، الكليم القديم، الغسالة اليدوية والبوتاجاز الذي يمكن رؤيتهم من وراء الستارة الخفيفة التي تفصل بين الغرفتين الأمامية والخلفية، هي التي تضفي حياة على البيت الطيني الصغير. بيتها الذي يشبه البيوت الأخرى من الخارج يختلف كثيراً من الداخل فالحيطان مدهونة ابيض وازرق ألوان اختلطت مع لون الطين الرمادي، على الحائط رسمت بعض أشكال الزينة والمثلثات الملونة وكتبت بعض الأحاديث والآيات القرآنية وهي من صنع زمزم التي تعتني بالمنزل، تزينه وتعيد بناء ما تساقط أو تشقق منه.
من السهل على من تركوا المدينة وأكرمتهم الحياة بعيشة رغدة كالحج محمد والحج محمود أن يتذكروا الحياة القديمة بشيء من الحنين والاشتياق إلا إن زمزم وأسرتها لم يحالفهم نفس الحظ، فزمزم وهي تبلغ من العمر48 سنة ، بالرغم من شكلها النضر الذي يعطي انطباع بصغر سنها على الأقل عشرة أعوام عن عمرها الحقيقي، تعيش وحدها مع زوجها المدرس وولديها، بعد أن هجرت أسرة زوجها البيت القديم “هما بنوا وسكنوا اللي يبني يسيب مكانه ويمشي، البيت ده كان فيه سلفيتي وحماتي كله مشي، أنا هنا لوحدي، لوفيه إمكانيات كنت اسبيه النهاردة قبل بكرة أصل مافيش حد هنا مافيش غيري أنا وبس – بس كل شيء نصيب”
إمام تعبيراتنا واستغرابنا لهذا الكلام استطردت “أصل المساكن نفسها مش عجباني، الواحد إيه عايز يجدد ، يتطور،عايز يقعد في حاجة متجهزة يعني الدنيا بتطور، عندي كهرباء ونور بس شغل البيت هنا صعب تنضيفها، هنا فيه كرير (شقوق ) وحفر في الأرض، طبعاً الشقق اللي تحت مافيهاش كده، لو فيه شقوق في الأرض لازم أسدها”
تقوم زمزم على الأقل ثلاث أو أربع مرات في السنة بصيانة البيت وسد الشقوق بالطين، وهو ما يتكرر خاصة في أيام الشتاء حيث يذوب الطين وتعلو المياه فلا تستطيع بالمنزل الذي قد يصل ارتفاع طبقة الطين به حتى الركبتين، فتضطر للنزول والإقامة عن أحدا من أهلها في البيوت الجديدة حتى يجف الطين وتعود ” آه هنا الجو حلو الواحد بيقبى نفسيته مرتاحة يعني أنا ما بحسدهمش بس زي ماتقولي كل واحد وبيقى ليه أمنية”
ومع ذلك لم يفت الوقت بعد على زمزم لتحقيق أمنيتها “هو اللي ربنا بيسهله ويطلع يبني بره مابيخدش حاجة بدل بيته القديم(الذي يصنف من الأثار) يعني هما بيقولوا اللي بيكونوا عايزين يطلعوه بيعرضوا عيه شقق، هما عرضوا علينا وإحنا وافقنا هما اخدوا اسامينا ولسه حيبنوا”
بعد أن اصطحبتني في جولة في بيتها والحديقة الصغيرة التي تقوم بزراعتها في الباحة الخلفية للبيت، تركت زمزم للحاق بأصدقائي وحُمدة الذين كانوا بصحبتي إلا إنني فجأة وجدت نفسي وحيدة بين أزقة القصر انظر يميناً ويساراً دون أن أعثر على أي أحد من حولي، تركت المنزل على الرغم من محاولات زمزم المستميتة ورجائها لي بالانتظار حتى يعودوا لاصطحابي إلا إني رفضت وأصررت على المضي رغم خوفي من التيه والفضاء الذي يحيط بي ، وجدت طريقي بسهولة الى السيارة وذلك لقرب بيت زمزم من الطريق وانتظرت وأنا أحاول أن أتغلب على خوفي بقول أن السيارة مازالت هنا أذن لا خوف هم سيعودون بالتأكيد. تلك الدقائق التي مرت على في صمت جعلتني أدرك مدى صعوبة العيش هنا على زمزم التي هجرها أهلها وتعيش في مدينة للأشباح خالية من الناس.
**”لا أحد يحب العيش وحده في خرائب” هكذا أكد لي فرد ليمهويس Fred Leemhuis، رئيس بعثة ترميم الآثار الهولندية التي تعمل على ترميم بيوت المدينة القديمة بالقصر منذ خمس سنوات. جلس فريد (هكذا يسميه الأهالي) على مكتبه الخشبي، وسط أوراقه بقبعته والصديري الذي يلبسه، بعمره الذي يناهز الستون، نظارته الطبية، وذقنه البيضاء وسيجاره الغليظ يبدو كما يجب أن يكون عليه عالم الآثار. فالهدف الأساسي من المشروع هو جعل البيوت القديمة قابلة للسكن مرة أخرى وإعادة سكانها إليها وهو ما يجب أن يكون الهدف الأساسي من أي عملية ترميم وحماية للتراث وليس عزل السكان عن الأثر فالقصر مدينة تتميز بمبانيها التي تصل إلى خمسة ادوار من الطين الني والتي صمدت أكثر من أربعة قرون. لم تكن المهمة سهلة منذ بدايتها ” من سهل بناية بيت من الطين دور واحد ولكن بناء خمسة ادوار كاملة يتطلب ذلك حرفية وتقنية عالية وهي للأسف غير متوفرة نظرا لقلة من يعرفون حرفية بناء البيوت اللبنية” ولكن فرد قام بالاستعانة بمعلمين بنائين من مدينة القصر نفسها للعمل معه في المشروع وهما بدورهما قاما بتعليم أفراد لبعثة التي تعمل معه. ولكن من يريد العودة إلى الخرائب ؟ بعد النزوح إلى أسفل والتعود على نمط حياة مختلفة؟ “في الحقيقية هذا ما سيدهشك، بعد ترميم بيت واثنين بدأنا بتلقي عروض من أهل البلد لشراء البيوت فهناك من عرض علينا 17 ألف للبيت ولكننا رفضنا وطالبنا بالمزيد ” يضيف ضاحكاً فرد ثم يستطرد “ما نحاول فعله هو ترميم بيوت حارة بأكملها فلا احد يحب أن يعيش لوحده في بلدة مهجورة ولكن تبقى المشكلة الأساسية بدون إدخال ماء أو كهرباء قد تكون عودة الأهالي لبيوتهم مستحيلة”، أنهيت حديثي معه وأنا أتسأل مثله هل يمكن أن يرجع بالفعل أهل القصر إليها يوماً أم بمجرد انتهاء عمليات الترميم ورحيل البعثة لن يسمع بين جنباتها سوى الأنفاس المتهدجة و الهواء البارد الملطف وصوت المرشد الذي عينته هيئة الآثار لاصطحاب السائحين؟