بلاط مدينة الصلصال

تم نشر هذا النص كجزء من مقال بكتاب امكنة، عدد 2008

لم يكن حال مدينة بلاط كمدينة القصر بواحة الداخلة، فهي لم يهجرها سكانها تماماً مازال يمكنك أن تعثر على بعض آثار الحياة عند التجول في مدينة الصلصال، بين الطرقات المظللة حيث تلعب أشعة الشمس

 

by Rania Abu Eid

 

دور الرسام ألهاو على جنبات الممرات الطينية التي تفصل بين بيوت المدينة حيث جميع زوايا الطرق مستديرة والدرجات التي تفضي من مستوى إلى الأخر محدبة الأطراف تكاد ترى بصمات من قام بتشكيلها وتسويتها، على جانبي الطريق، وقفت بعض النساء في مداخل بيوتهن، ينظرن إلى المارين، يغطين وجهوهن بطرحهن يخفين بها ابتساماتهن ونظرات التساؤل في عينيهن.

وقفت هي كعروسة شمعية بوجهها المستدير المشدود وعينيها الصافيتين التي يحيط بهما من كل جانب خطين من التجاعيد وهما الدليل الوحيد على تقدمها في السن. تلبس أشارب ارجواني بنقوش حمراء يحيط بشعرها الفضي الذي يكشف عن سنها الذي يناهز الخمسين دون البوح به، بملابسها الزاهية وقفت كريمة أمام عتبة بيتها تنقل نظرها بيننا نحن الثلاثة بحيرة وتردد ولولا الأدب وأصول الضيافة لكانت اختفت بلمح البصر من أمامنا ” لا لا أتفضلي بس البيت منترك، بس أتفضلوا” قالت بتردد وهي تنظر إلى مرشدنا من أهل المدينة الذي يصطحبنا في الجولة، تستمد منه الأمان فهو الوجه الوحيد المألوف لديها، سبقتنا إلى الداخل وتبعتها ارفع قدمي عاليا لتخطي العتب المرتفعة لأولج إلى المنزل كأني أولج إلى بطن الأرض فالباب ما هو إلا فتحة مستديرة كبيرة ترتفع عن الأرض وينخفض سقفها فتضطر لخفض رأسك ماراَ إلى عالم آخر تشعر فيه كالجنين في رحم أمه ، تتهدج أنفاسك وتبدأ ضربات قلبك البطيئة ترن في أذنيك ويحيط بك الظلمة والهدوء والصمت. كان الباب يفضي إلى مدخل يفضي بدوره إلى بيت الجيران : يشترك البيتين في مدخل واحد مسقوف ومظلم تظنه كأنه بيت واحد ولكن لتكتشف بعد برهة الباب الجانبي الخشبي الصغيرة الذي يفتح على منزل آخر. البيوت هنا تشبه متاهة من الغرفة المفضية بعضها إلى بعض طينية ملساء مظلمة وحميمية.

بعض الدقائق تمر حتى تعتاد على الظلمة ، تهدأ أنفاسك وتبدأ بالنظر إلى الغرفة وأثاثها البسيط الذي يتلخص في حصيرة وفراش وكلوب سبيرتو كبير مركون على الحائط، في الحائط يمكنك أن ترى مغروز في الطين سلك الكهرباء، الدليل الوحيد على “المدنية”، عند طرف الغرفة يوجد على الأرض كومة رمال وقصعة بها مياه مما يفسر خشونة يديها الغير طبيعية المغطاة بطبقة من الطين الجاف فهي كانت تعيد بناء بيت أبيها بعد أن توفى لكي تنتقل إليه لتعيش به بعد أن انهار بيت زوجها.
شأنها كشأن نساء وعائلات كثيرة في بلاط عاشت كريمة حياتها كله في البلد لم تغادرها ، بعد أن نالت قدر من التعليم (معظم النساء في هذه المنطقة حصلن على قدر يذكر من التعليم حتى إن لم يتعدى المرحلة الابتدائية ) عملت بالمستشفى لتربي أطفالها فهي ترملت عند بلوغها التاسعة عشر فقط من عمرها فوجدت نفسها مسئولة عن طفلين ، عندها انتقلت مرة ثانية لتعيش في بيت أبيها ورفضت الزواج مرة أخرى . لا تنتقل من البلدة سوى لشهور قصيرة تقضيها في القاهرة لزيارة أولادها الذين استقروا وتزوجوا هناك “ابني متعلم وبعدين جالو شغل في القاهرة أنا قالي يا ماما لو عوزتي اقعد معاكي، خفت يقولي بعد كده منعتيني جالي قرش ومانعتيني، فجلتله يابني البلد اللي تعزك تبقى خير موطن” أكدت كريمة وهي تفسر لماذا انتقل ابنها من البلدة القديمة فمجرد كونه “متعلم” تفسر من وجهة نظرها الكثير فمن من الجيل الجديد “المتعلم” يرضى العيش في البيوت الطينية الرطبة حيث مازالت الحياة خشنة وغير مريحة. فالحياة بهذه البيوت لم تتغير عما كانت عليه إلا فيما يتعلق بالغلاء الذي طال كل شيء فتحكي كريمة أيام كانت بلاط تنبض فيها بالحياة ” عشان شغل البيت كنا نجيب رمله كده على دماغنا وطينة نجيبها زمان من الغرود دلوقتي بنشتريها، نقوم نعجنها مع الطيبة بس زمان ما كنتش الطين ده ده طين اخضر وبالجريد وبعدين كنا نغطيه بالطينة البيضة(…)كنا نخبز كل أسبوع أو 3 أيام دلوقتي الدنيا أتغيرت بقت فيه تلاجات ، زمان كانت الغلة رخيصة وماكنش حد يبيع كانت الجيران تدي بعضيها ده عندي ادي للتاني وده عنده يدي للتاني الزمن ده آن ماشترنيهوش ما نشفهوش ، كمان زمان ما كنش فيه في البلد تعليم كتير دلوقتي فيه تعليم والناس طلعوا في المسلح فمبقوش يشوفوا أهلهم، ماحدش دلوقتي هاين على حد، دلوقتي كمان المهر غلي أنا كان مهري 20 جنيه أصل الواحد مش قيمته فلوس إنما في قيمته ودينه”
بعد أن استضافتنا في بيتها تحكي عما كان ، اصطحبتنا كريمة حتى آخر الطريق المفضي إلى بيتها مارين من الظل إلى أول الطريق النازل الذي تتخلله بعض أشعة الشمس، عند نهاية الطريق توقفت وسألتها
– ممكن أصورك
– لآ لآ ماحبش لآ بلاش
– طب أتصور معاكي طيب ؟
– لآ، تفاجأت بلهجتها الحاسمة
– ديه مش أجنبية (تدخل حُمدة شارحاَ لها) فسارعت بقول – لأ أنا مصرية ومسلمة وموحدة كمان …
– لا ماني عرفة إنها مش أجنبية ، لا عندنا مانخلي الأجانب يصورونا أصل العيا كتر لا مؤاخذة، أصل ماكنش عندنا أمراض يعني زمان، يعني زمان ماكنش أجانب بيجوا ولا حاجة. جم وجه المرض.
لم افهم ما هي علاقة الصورة بالأجانب وما علاقتهما بانتشار المرض، إلا إنني اكتفيت بالاستماع والاندهاش بل بالانبهار بالموقف الذي لم استطع تحليله، فآثرت السكوت دون الاسترسال في الأسئلة خاتمة الحديث مستمعة إليها وهي تودعنا بالدعوات
– “أنت آنسة ولا مدام” سألتني على استحياء
-ـ آنسة
– طب روحي ربنا يحنن عليك بولاد الحلال

ابتسمت وأكملت طريقي مع حمدة ومرشد البلد مكملين جولتنا في أرجاء البلدة خافضين رؤوسنا في بعض الأحيان، صاعدين بعض الطرقات أو نازلين بعض الدرجات أحيانا أخرى، مارين بين زوايا الطرقات،

 

By Rania Abu Eid

 

عند المناطق التي تكشفها الشمس بقصعات زُرعت بالنعناع وريحان وزهور الكركديه القانية. عند أعلى القرية اختلف البنيان، تبدلت البيوت الحمراء الطينية القصيرة والملتصقة يبعضها البعض ببيوت عالية بعض الشيء بيضاء اللون ، هنا يقع بيوت عُمد القرية والذين ينحدرون جميعهم من عائلة البرنس وهي أول عائلة ، كما يزعم أهالي القرية، قدمت إلى هذا المكان أقامت واستوطنت واستقرت ” هي عيلة شبعانة عندها ابيار وأراضي وطبعا اكبر عيلة هي اللي تمسك البلد” شرح لي مرشدنا. وقف هناك محمود البرنسه يرحب بنا بقفطانه الازرق الزهري ولاسته الخضراء، بوجهه التي تشقه من قمة رأسه حتى عمق خديه أخاديد عميقة لوحتها الشمس، ينظر إلينا بعينيه اللتين بهتا بفعل الزمن، تظهر بين فكيه أثناء حديثه أسنانه المبرودة مصدرة صوت صفير خفيف عند حديثه. جلست أمامنا زوجته بوجهها المشدود المسحوب الأسمر تستند على حائط بيتها تجلس القرفصاء تنقل عينيها العسليتين الجميلتين بيننا وبين زوجها وهو يحدثنا “اسيب البلد ليه ، هنا مافيش أي إشكالات، أنا هنا بأصلح ما بين المتخانقين ماعنديش حد في بلاط يروح الجسم، الا لو جريمة جتل بس ده ماحصلش عندينا لأ ولا حتى سرقات، إنما شوية نزاعات بتبقى على ارض مايه بتاع كده ، يعني بهيمة سابت على زرع التاني، يدفعله تعويض والتاني ممكن يسامحه يبوس على دماغه حجك عليا وكده حق عرب يعني” على عكس أهالي القصر الذي انتقل أغلبية سكانها، الكبير والصغير وحتى عمدة البلد، إلى الأراضي المحيطة بها، بنوا بيوت من الأسمنت، فبلدة بلاط لم يتركها سوى الأجيال الحديثة، فهنا مازال يقطن محمود البرنس، عمدة بلاط، وزوجته حتى وان تفرق أولاده السبع مابين الأراضي المنبسطة المحيطة بالبلدة أو بالخارجة والقاهرة وموط للعمل. عندما طال الوقوف والصمت بدأ يخيم علينا، قالت لنا زوجته (والتي لا يناهز جمالها سوى اللوحات الزيتية التي رسمت بدقة) “أتفضلوا نجيب شاي” هنا أدركت أن الحديث قد طال وآن الأوان للذهاب فلقد بدأنا نثقل عليهما فشكرناهم واستدرنا، وقف هو يودعنا بابتسامة عريضة ونظرة لم تفقد بعد فضولها

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s