مين مايعرفش عمارة رشدي؟

تم نشر هذا المقال بمجلة امكنة، العدد الثامن  وكان يدور عن الخيال وكيف يتفاعل الناس مع الأسطورة الشعبية ويتعايشوا معها

رشدي ابو قير لو سمحت”… “عارف العمارة المسكونة اللي هناك، ادام بنزينة التعاون؟! انا حانزل هناك”

، دون ان يطر ف له جفن او حتى تغطي عينيه نظرة التسائل والأندهاش التي توقعتها، هز سائق التاكسي رأسه واجابني ” ماشي، ماشي” نظرت حولي في التاكسي، الى السيدة التي ركبت بجانبي او الى الشاب الذي جلس بجوار السائق، لم تتغير وجوههم او حتى لم يطالني منهم اي نظرة استنكار او استغراب، كما لوكان شيء طبيعي وغير مستنكر ان تكون هناك بالفعل ” عمارة مسكونة” حيث العفاريت او الجن او كائن ما يكن قد اتخذ له مسكنا. والغريب اننا لسنا في قرية بعيدة مهجورة ولسنا بصدد بيت يقع في اعلى مدق ترابي فوق تل بعيد تحوم حوله الخفافيش وتضيئه اشعة القمر الزرقاء (او هكذا اتخيل ما يمكن ان يدور في عقل القاريء الذي لايقطن الأسكندرية ولا يعرف احيائها وهي صورة طالما تناقلتها افلام الرعب القديمة ) ، اود ان أؤكد اننا في وسط المدينة، في احد الأحياء الراقية المأهولة بالسكان، على شارع عمومي وهو شارع ابو قير و هو من اهم اكبر ثلاث شوارع رئيسية في الأسكندرية. هنا وسط زخم وصخب المدينة استقرت تلك الأسطورة في عقول الناس ومهما كانت خلفيتهم الأجتماعية او الثقافية أو الدينية فهي راسخة في عقولهم ، يتعاملون معها بطبيعية كجزء من حياتهم ـ رضوا بهاوتقبلوها وتعايشوا معها دون ان يتوقفوا عندها او يحاولون ان يتشككوا في اصلها. ” مين مايعرفش عمارة رشدي المسكونة؟ ” صحيح من لا يعرفها؟ فعلى احدى المنتديات على شبكة الأنترنت تجد الشباب يتداولون هذه القصة، حتى صديقي الأسباني الذي يعيش في الأسكندرية منذ ثلاث سنوات يعرف هذه العمارة فقد كتب لي في أحدى الأيام

“Hi Heba It’s funny, but it happens that I heard about this story and I know even where the building is. If I’m not mistaken, it is in Roushdy, in a corner of Aboukir street. Someone told me that people where living there and they became to feel that there were some phantoms or spirits living there, so they decided to leave the place (…)

“ هاي هبة من الغريب انني قد سمعت بهذه القصة ، وحتى انا اعرف اين تقع هذه العمارة، اذا لم اخطيء هي تقع في رشدي، في ركن من شارع ابوقير. هناك من حكى لي ان هناك بعض الاشخاص الذين كانوا يعيشون هناك شعروا ان في المكان اشباح وارواح تعيش فيه لذلك قرروا ان يتركوه..”

وهي القصة او الأسطورة التي انتشرت بين الناس ، فانا اتذكر حتى الأن اول مرة سمعت فيها بهذه القصة، كنت في المرحلة الأعدادية ، حكت لنا احدى صديقاتي عن العروسين اللذين وجدا اثاثهما ملقي من الشبابيك في صباح زواجهما ، وعن الحنافيات التي تسكب دما بدلا من الماء .. لم يسعني في هذا الوقت سوى الأستماع والتصديق وتجنب سؤال صديقتي اين بالضبط تقع هذه العمارة فأنا كما يقولون ” قلبي خفيف” وطالما احترمت حدود خوفي ولم احاول ان أعرضني لمثل هذه التجارب المقلقة والتي لن تسبب سوى المزيد من الأرق لاختي التي تشاركني الغرفة والتي ستضطر مرة أخرى الى النوم وضوء الغرفة مضاء ***توقف التاكسي امام العمارة بالضبط واشار السائق ” اهه، هي ديه العمارة” ترجلت ووقفت انظر اليها من بعيد، كيف يمكن لمكان ان يبدو مكفهر وكئيب هكذا، فالعمارة تبدو سوداء مكفهرة تطايرت معظم شبابيكها مكعبة الشكل دون اي لمسة جمال او زخارف تزينها ، قصيرة بالنسبة للعمائر العالية التي تحيط بها من اليمين، تقف كشخص غير محبوب او غير مرغوب في وجوده او هكذا بدت لي ام هي لمحة شاعرية صوّرها لي خيالي، وبدات افهم هذا الشعور المبهم بالخوف والقلق الذي قد يعتري الناظر اليها فاتذكر جميع ما تداوله الناس عن هذه العمارة من أقاويل وحكايات تبدأ دائما ب” سمعت، بيقولوا…” وغيرها من كلمات غير مثبتة او دقيقة تتناقلها الألسان ولكن بعد ان تضيف اليها شيء من الرؤية الذاتية والخيال الشخصي …فبالنسبة لامنية، البالغة من العمر 32 عاما تلك العمارة دائما “قبضت قلبها” ، ” فيها حاجة غريبة العمارة ديه، عمر الشمس ما بتنورها، اصل لما الشمس بتبقى طالعة بتنور وتدخل المكان الا العمارة ديه- الشمس مابتنورش جواها – شأنها شأن اي شخص ترك لمخيلته العنان ولكنه لايستطيع التاكد مما شعربه او انتابه فهو حقيقة بالنسبة اليه ولكن خلفيته العلمية والثقافية واحيانا الأجتماعية والدينية تأبى عليه تصديق ذلك فتضيف أمنية بصوت متردد- … او ممكن الواحد موهوم ، مش عارفة”، وتجربة أمنية، مع هذه العمارة تبدأ منذ ايام دراستها في تجارة انجليزي ” مرة كان عندي course أيام الجامعة وكنت حأركن جنبًّها ، اتلبشت خفت أركن جانبها فضلت الف على ركنة حتى أتأخرت على الدرس”. اما بالنسبة لرشا البالغة من العمر 32 عاما، وهي جارتنا التي اعتبرها كأخت لي فهي لاتجرء الأقتراب من هذه العمارة وهو شيء لا استغربه عليها فلطالما انزلتنا جميعا مهرولين على السلالم من جراء صراخها المتواصل حين رأت قطة صغيرة سوداء في بير السلم او عندما تحكم علينا ان تقف لاضاءة نور السلم اذا اطفأ حتى تبلغ شقتها في الدور الثالث، جلست رشا في هذا اليوم بصالة منزلنا وهي تحتسي الشاي تحكي ” انا بترعب منها، اصلها سودة قوي، من كتر الحرايق اللي كانت فيها، ايام ما كان فيها سكان ” ثم استطردت ” هما بيقولوا كده … انا عمري ماشفت فيها سكان” جالسا في مكتبه الأنيق في احدى الشركات متعددة الجنسيات، بين رنة تليفون واخرى، جلس ياسر،39 عاما، ينفث دخان سيجارته وينقر من حين ولاخر على ازرار الكمبيوتر المحمول الخاص به “آه عمارة رشدي .. طبعا عرفها ، أنا ليا تجارب شخصية مع العمارة ديه، انا كنت ساكن في رشدي وكان ليّا صحاب عايشين هناك، كنت ممكن ألاقي في يوم شيش للعمارة واليوم التاني مالاقيش ولا شيش ” ويحكي ياسر عن احد المغامرين الذين ارداوا ان يكسروا هذه الأسطورة ” كان فيه واحد ضابط شرطة قال ان ديه خرافات وقرر يعيش فيها بس شاف بلاوي …” غير ان ياسر لم يوضح ما كنه هذه البلاوي… ” ياستي لاعفاريت ولاحاجة، تكلم عم عطية بنزق وتأفف، انا بجالي بشتغل هنا عشر سنين ،اجولك الحجيجة انا جيت سمعت اللي بيتجال، طلعت فوج لجيتها نضيفة طلعت بالنهار ماشفتش حاجة طلعت بالليل برضه ماشفتش حاجة” وقف عم عطية السايس قصير القامة مشدود العود ينظم حركة العربات الداخلة والخارحة من جراج العمارة الواقع مدخله في الشارع الجانبي للعمارة والذي يفضي لطريق الترام من ناحية وشارع ابوقير من ناحية أخرى ومن حين لاخر يكشف سر من اسرار العمارة الغامضة بعبارات مقتضبة تشوبها السخرية احيانا “عفش بيطير وشبابيك بتختفي؟!!.. العمارة هي لسه ماتشطبتش مافيهاش بلاط ولا شيش ومفيش ولا حد سكنها جبل كده” من اول الشارع ، تتقدمان المرأتان تتهاديان وهما تضحكان، في جلاليبهما الملونة وطرحاتهما التي تغطيان الرأس والصدر بدتا كفلاحتين يتباين وجودهما مع هذه المنطقة الراقية والعربات الحديثة الفخمة المركونة بالشارع المستظل بالأشجار الوافرة، توقفتا قبال عم عطية ” ونبي ياعم عايزين شقة بالعمارة عندكم” ، اجاب بوجهه المكفهر يشوبه الملل “طب ياستي لسا مافتحناش لما نفتح نبجا نجولكم..” ، انه المشهد الذي على ما يبدو يتكرر بشكل او بآخر كل يوم كأنه نكتة متعارف عليها بين سُياس وبوابين الحي ولا يسع عم عطية البالغ من العمر 51 عاما وهو الواقف ليباشر عمله سوى التأفف من كثرة الفضوليين الذين طالما عطلوه عن عمله وضايقوه هو واسرته الساكنة بالركن المنزوي داخل الجراج فكل يوم يحمل لعم عطية المزيد من المضاياقات اما من وسائل الأعلام كالصحفيين المبتدئين الذين يبحثون عن سبق صحفي يعينهم في بداية مشوارهم المهني او من قبل اشخاص عادية ينتابها الفضول ” ممكن انا اجعد مع الواحد ساعه او اتنين اتحدت معاه واجول له ان العمارة مافيهاش حاجة وبعد كده يجولي انتَ كداب، طب انا مرة حطيت خرطوم ميه في قفا لواء، كنت باشتغل ولقيته دخل ورايا، اعد يجولي ” انت قولي قصة حياة العمارة ديه” طب يعني انا حأسيب شغلي واجعد احكيله جصة حياتها، قلت له عندك صاحب العمارة أسأله، يجولي ” لا انت تعرف انت قاعد فيها طول النهار” فآخر المتمة حطيت الخرطوم في قفاه والدنيا كانت تلج” يضيف عم عطية وشبح ابتسامة خبيثة ترتسم على وجهه. ولكن اكثر من يعاني من مثل هذه المضايقات هي زوجته واولاده ” ” يعني لما بيبقوا بنات يعني بنضيفهم انما لما يبقوا جدعان كده بيبقوا غلسين اقوي” تشتكي ام عطية وهي جالسة القرفصاء على الكرسي الخشبي الصغير تقشر البطاطس وتقطعها، من المحاولات السخيفة للفضوليين الذين لايحترمون احيانا حرمة البيت الصغير وحياء النساء القاطنات به. ما يثير الدهشة كيف تواجد هذا البيت الكامل المكون من غرفتين او ثلاث في هذا الركن الصغير المنزوي من الجراج والذي لاتحميه عن الأعين الفضولية سوى ستارة خفيفه. خلفها تقع غرفة الجلوس المجهزة بجهاز تلفيزيون وكنبة مرتبة ونظيفة والمطبخ وغرفة صغيرة خلفية. بين صخب حفيدها الصغير وهو يخبط بعصاه المعدنية على الارض ومحاولات زوجة ابنها لردعه، جلست ام عطية التي مازالت تتمتع بحلاوة الشباب وهي تحكي “للحج مافيش حاجة من ديه خالص، العمارة مافيهاش حاجة” الا ان ذلك لم يكن رأي ام عطية منذ البداية فمنذ قبول زوجها بالعمل في هذا المكان كانت ترفض رفضا قاطعا ان تنتقل للعيش اوتخطو رجلها هذه العمارة ، حيث بقت في دمنهور، مسقط رأسهما، العام الاول كله مما اضطر عم عطية ان ينزل اجازات للبلد ليراها ويترك ابنه الصغير في العمارة ليباشر العمل بدلا منه ” لما لجيت العيل الصغير ابني جاعد فيها وما فيش حاجة وكان بيجولي ياماما مافيش عفاريت ولاحاجة هنا بس رضيت انزل واعيش فيها” الا ان….. ” الحجيجة هي مرة واحدة بس شفت جنيّة- تستطرد ام عطية¬ – كنت بولع البوتاجاز ورميت عود كبريت في البلاعة فطلعت ليا هي وولادها تجولي “احنا ماآذيناكيش ليه تأذينا، هي كانت قزمة كده ماتجيش في طول الواد محمود (حفيدها) وولادها صغيرين كده حوليها، كانت شبه الأقزام اللى بيوجوا في التلفيزيون للأطفال، آه سبه الكرتون كده، جريت انا اتغطا ومعملتش حاجة- ثم اكملت وهي تضحك على استحياء- لما حاكيت لآبو عطية ضحك عليا “، ” لو كنت بصدج الحكايات دي ماكنتش حاعرف اعيش ، انا كنت في بلادنا بنام في المقابر، وكنت بأعيش في الجبل وأشوف تخيلات ولا بأحط في دماغي” اكد ابو عاطية وهو يساعد السيارة في الخروج من الجراج. فبعد ان باع اخوته ارضهم في دمنهور لم يبقى له “لقمة عيش” هناك انتقل للعيش والعمل في الأسكندرية وبعد التنقل بين عدة اماكن استقر به الحال للعمل عند صاحب هذه العمارة، وهو بالرغم من الأجر الزهيد يعيش راضي ومستقر في هذا المكان” **”الحكاية ان صاحب العمارة ديه، راجل غني عنده مادة مش محتاج، عنده زي العمارة ديه يجي خمس عمارات تانية، لما بناها كان عايز يعملها فندق ولكن المحافظة رفضوا يدوله تصريح لانها تقع على شارع عمومي ، منعا من التجمهر” هكذا يسرد الحقيقة عامل الكوافير الذي يعمل في المحل الوحيد الذي يقع في العمارة ، فهو يعمل في المنطقة منذ اكثر من خمسة واربعين عاما ولم يجد على العمارة ما يسوئها او يؤكد الأشاعات التي اطلقت عليها، وهو ما يؤكده كذلك ابو عاطية “ماهي الأسئلة اللى بدور في دماغك برده بدور في دماغي، بس هو كده ” من حكم في ماله، ماظلم، لما رفضوا يدوله التصريح سابها كده. هو مش متجوز ومالوش ورثة غير ولاد اخواته وحتى سدّ المدخل علشان لما لجى الناس بتحاول تدخلها تشوف فيه ايه”- ويستكمل ابو عطية ” هي ديه الحجيجة بس احنا ناس مابنحبش الحجيجة” بالطبع ان هذا التفسير البسيط لايمكن ان يرضي او يشبع فضول الكثير من الناس، ومن هنا بدأت الأشاعات وهي محاولة من العقل الأنساني لايجاد اجابة للسؤال الذي يساوره : لماذا؟ لماذا يترك هذا الرجل ، عمارة بهذا الأتساع مكونة من ستة اطباق، في هذا الموقع المتميز، مهملة هكذا دون ان يحاول ان يشطبها او يسّكنها او حتى ان يهدها ويبيعها ويكسب من ورائها الكثير… ولاتخرج التفسيرات التي تداولها الناس عن اربع مقولات، فهناك من يؤكد ان الكثير من العمال قد توفوا اثناء بناء العمارة ودفنوا تحت انقاضها، ” انا سمعت ان كان فيه واحد مغربي عايز يشتري شقة فيها… لأ لأ… كان عايز يشتري العمارة كلها وحصل خلاف مع صاحب العمارة– وانتي عرفة ازاي الناس المغاربة دول بيفهموا في السحر والحاجات ديه- فعزّم له عليها، حط مصاحف حوليها وعمل له عمل” هكذا تؤكد امنية ما سمعته في صغرها من اقاويل ، اما ياسر فله رؤية مختلفة وان تشابهت مع قصة امنية ” الراجل صاحب العمارة كان مشارك واحد سوداني ونصب عليه -وانتي عارفة ازاي الناس السودانيين دول بيعرفوا في السحر- فعمله عمل” اما المقولة الرابعة ان العمارة قد بنيت على انقاض مسجد ، وما تتعرض له العمارة ما هو الا انتقاما من الله لهدّ هذا المسجد. في محاولاتهم لتفسير اللغز ، حاول سكان المدينة ان يستمدوا من موروثاتهم الدينية والعقائدية ما يفسرون به هذا اللغز وهي في كل الأحتمالات تفسيرات مبينة على فكرة الاثم المرتكب والعقاب. ففي فكرنا وموروثاتنا يجب ان يكون هناك اثم قد وقع وعقاب مستحق، وهي فكرة يتقبلها العقل البشري بسهولة بل يلجأ اليها في كثير من الاحيان ليسد بها الكثير من الفراغات والابهامات التي تتواجد في محيطه وبيئته وحتى في حياته اليومية، وهي فراغات لم يتعود الانسان قاطن المدينة على وجودها نظرا لما تحتويه حياته من زخم فهي فكرة يطمئن لها الأنسان ويألفها ، فالعمارة وصاحبها لابد ان يكونا قد ارتكبا اثم ما ليستحقا ما وقع عليهما من هجر والا لماذا…. بدء النهار يمر سريعا واقترب وقت المغرب ، لذلك كان لابد ان اترك المكان قبل هبوط الظلام فعامة لم يكن المساء من الأوقات المفضلة لدي وخاصة في هذا اليوم الممطر بعد هبوب احدى نوات الاسكندرية الشهيرة، كما لم ارد ان اثقل على ام عطية واتركها لتكمل اعدادها للطعام ، فحاولت ان اترك المكان متجنبة المرور بالجانب الأخر من الجراج فلقد حكت لي ام عطية انها عندما تمر بهذا الركن الأيسر “روحها بتنسحب” الا انها عادت واكدت ان العمارة “ما فيهاش حاجة !!!”

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s