عصفور طل من الشباك …

“عصفور طل من الشباك قال لي يا نونو… خبيني عندك خبيني دخلك يا نونو….” تداخل صوت عايدة الأيوبي مع المنظر الممتد أمامي. و أهتزت الأنغام في أذني مع أهتزاز عربة الجيب وهي تنهل من الطريق الصخري . شخصت ببصري في الصحراء الهاربة أمام نظري آملة في الوصول , ولكني لم أتبين شيء , فالطريق مظلم يهتز مع أهتزاز أضواء كشافات العربة . كنا ثمان فتيات, أصدقاء جمعتنا نشأة واحدة فجميعنا تربينا في مدارس الراهبات , كما جمعتنا أفكار واحدة على الأخص فكرة واحدة مجنونة وهي عشق الصحراء ، فطالما سبرنا أغوارها مع مجموعتنا الكشفية و طالما جمعنا ليلها الساحر أمام خيامنا فكانت دائما الشاهد الوحيد على أحلام طفولتنا وشبابنا البريئة. حين كان الحلم متاح ومباح. حين كنا نتغانى بالحب والحرية، المؤخاة والمساواة , العدل والأنسانية , لم تكن مجرد أغاني نرددها بل معاني ملأت وجداننا, كنا نظن بالفعل بأننا قادرات على تغيير العالم. كنا أطفال. كنا ثوار.
الأن كبر الأطفال، وأصبحوا فتيات – ذوات شخصية, معظمهن يشغل مناصب جيدة –  تفتحت أعينهن على واقع الحياة , فوجدن الدنيا غير تلك التي طالما تغنين بها.ماتت الأحلام ولكن لم يمت عشقنا للصحراء ، مهد حريتنا ، المكان الوحيد الذي مازال الحلم فيه متاح ومباح. شارفنا على الوصول فبعد يوم كامل من التنقل من أتويس لأخر وصلنا الى” الكرم” محمية طبيعية في قلب أرض سيناء المقدسة . وصلنا الى هناك كمهاجر عائد الى الوطن . عائد اليه كأنه لم يتركه قط.
تخبطنا في الظلام حتى وصلنا الى البيوت الحجرية, ينير لنا البدو الطريق بمصابيحهم الزيتية, فالمكان هنا كله بدائي. كنا منهكات ولكن كل خلجة من خلجاتنا تنبض بالحياة . تركنا متاعنا في البيوت وتجمعنا حول النار التي أشعلها البدو نحتسي الحساء البارد و نخطط لما سنقوم به غدا. غدا سنمشي في الصحراء حتى نصل الى احدى القرى الأثرية القديمة المتهدمة البيوت حيث سكن أهل تلك المنطقة من الأف السنين. تعالت أصواتنا بعد ذلك بالغناء الحماسي والضحك، فعدنا نتغنى بالحب والحرية، بالمؤخاة والمساواة , بالعدل والأنسانية. فهنا في قلب الصحراء على أضواء النيران وتحت قمر خجول لم يبسط ضياءه بعد، لم يعد من المخجل التغني بهذه الأغاني.

**لمحته من بعيد , هناك , في طرف المجلس ، في آخر  أمتداد ضوء النيران. وحيد , جالس ينظر الينا, فلم يكن من المعتداد أن تجد مجموعة من الفتيات الشرقيات الملتزمات- فجميعنا يرتدين الحجاب – في هذا المكان النائي البدائي البعيد . حتى هو , الغريب, فهم أن هذه ظاهرة نادرة. فلم تكن المرة الوحيدة التي زار فيها مصر. مرة بعد مرة تكررت زياراته, فقد سحرته أرضها فوقع في غرام صحراءها. وفي كل مرة يكتسب صداقة جديدة من أهلها. أصدقائه المصريين يداعبونه أحيانا بأن مع زياراته المتكررة قد يظنه البعض جاسوس.
كان هناك جالس , يتأملنا في صمت, ماتت الكلمات فوق شفتي ، ورحت أتأمله بدوري, فهو لم يكن ينتمي الى المكان بشىء فشعره اشقر وعيونه زرقاء وبشرته مشربة بالحمرة , من الواضح أن اليوم لم يكن اليوم الأول له في المكان, كان يتنافر بشدة مع كل ما يحيط به, كان يتنافر مع مجموعة البدو الساهرين لحمايتنا بشعورهم الفاحمة المعممة, وبعيونهم السوداء اللامعة وبشرتهم التي لوحتها شمس الصحراء الحارقة. لم يكن ينتمي الى المكان الأ بنظراته فنظراته كانت كنظرة من رأى الكثير وخبر الكثير. كنظرة من أطال النظر في وجه الشمس، كمن ترك نظراته تموج مع الكسبان الرملية التي تتلاعب بها الرياح. لم يقترب منا, ولم نتحدث اليه بالرغم من فضولنا الشديد, فكل واحدة منا كان يراودها سؤال واحد، من هذا الغريب؟ ولكن الأجهاد و اليوم الشاق الذي ينتظرنا غدا لم يسمح لتساؤلاتنا بالأنطلاق من عقال ألسنتنا. ومضينا نتخبط حتى وصلنا الى أسرتنا الحجرية فنمنا كما لم ننم يوما.

** بعد الأستيقاظ المبكر – فبعضنا أستطاع بالرغم من أجهاد الأمس الأستيقاظ لصلاة الفجر- والأغتسال بالماء الدافىء – نتيجة للسخان الشمسي-  والفطور الصاخب, أنطلقنا, حقائبنا فوق ظهورنا, زجاجات الماء معلقة على أكتافنا, وبدأنا المسيرة أنطلقنا كقافلة زهاد منطلقين للقاء ربهم. تتصبب وجوهنا عرقنا وترتعد أوصالنا من المجهود . تتقدم أرجلنا خطوة بعد خطوة الى الأمام تحت سماء الصحراء الصافية . نتسلق بأيدينا وأرجلنا الصخور ويخيم علينا الصمت , فللصحراء رهبة في القلوب لا يعلو فوق صوتها سوى صوت الله المنطلق من كاسيت صغير علقته أحدى صديقاتي في حقيبتها , انطلق صوت القاريء العذب بأن الجنة للصابرين و بتفكروا يا أولي الألباب. أشتددت الحرارة والأفق لا ينتهي . مع اشتداد الحرارة صفت القلوب والعقول رويدا رويدا وتبادرحيناذاك الى ذهني سؤال غريب الهذا يستخدم الله النار كعقاب للعصاة فالحرارة تنقي المعادن الأصيلة من الشوائب أهكذا ينقي الله أنفسنا لتعود نقية كالذهب الذائب. كنت أهذي على ما يبدو , ولم أنتبه ألا والغريب بجواري بمحاذاتي, فهو يرافقنا نظرت اليه فابتسم وكانت تللك أول أشارة لبدء حديث طويل لم ينته بالرغم من وصولنا الى وجهتنا ومكوثنا فيها لبرهة وأنطلاقنا عائدين. حديث طويل , لا أذكر منه شىء سوى أني تكلمت وتكلمت, واجهت وناقشت . كنت “أنا” كما لم أكن من قبل. كانت عيني تلمعان بحماس, كنت أعبر عن رأي بكل جرأة وكان هو يستمع , يحاور، يعترض ويوافق. لم أشعر من قبل بتلك الحرية مع اي رجل من قبل.فالرجال الشرقيون يخافون من ذكاء المرأة , فالمرأة التى يعجبهم ذكائها لا يسمحن لها سوى أن تكون  مجرد صديقة أو أمهم التي أنجبتهم. تكلمت عن كل شيء, الحب , العمل, السياسة, الدين, الحرية… كل شيء. أنتهى حديثنا بصولنا الى عربة الجيب التي ستقله الى شرم الشيخ حيث ينتظره أصدقائه. في غمرة حماسي وأملي الأهوج نسيت أنه سيغادر فور وصولنا. نسيت الى أي عالمين بعيدين كل البعد ينتمي كل منا. انطفأ بريق الأمل في عيني ولمعت عينيه بشيء من الشفقة الحزينة فقد فهم. وقرأت فيهما رسالته التي أفاقتني من أوهامي “لا أستطيع أن أكون ما تريدين, لا أستطيع أن أكون طوق النجاة” شرعت أعيد خصلة شعرمن شعري تحت الطرحة التي أنزلقت قليلا من فوق رأسي وأنسحبت الى البيت الحجري لكي أبدل ملابسي. أنتابتني موجة من الغضب والتمرد, ما يربطني بهذه الأرض؟ بهذا العالم الذي يحيط بي؟فلم أنل منه سوى القليل , لم يعطيني –كما يزعم -سوى ديني الذي طالما أستخدمه –بجهل-لكي يقيد من حريتي ويشوهه في عيني, أنا التي  أكتشفت الدين بنفسي فلم يكن له الفضل بأية صوره من الصور في أن أجد الله . فلأهرب من هذا العالم الخانق . فالأرض جميعها أرض الله . ولكني عدت فهدأت فأنا أدرك جيدا أنني مهما أنكرت أنتمي الى هذه الأرض , الى هذا العالم , أدرك مساوئه ومميزاته. فأنا كما هو حال من نشأوا مثلي – لا نستطيع أن نغادر واذا غادرنا لا نستطيع البقاء هناك دائما ما ينقص شيء. دائما تلاحقنا الغربة. فنحن ننتمي الى جزيرة بين شاطئين , لا نستطيع أدراك أحدهما , قدرنا أن نبقى بالوسط و لا نغادر فأطياف المدينة ستلاحقنا أينما ذهبنا.

**أنضممت الى المجموعة التي ألتفت حول النار للعشاء, لم أشاركهم الصخب والغناء هذه المرة, فأنا لا أؤمن بتللك السذاجات . شرعت أنظر الى النار حتى ذابت نظراتي في لهيبها و انزلقت دمعة على خدي لم أمنعها.
هبة الشيخ
28/8/2004

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s